ارتقاء
05-24-2010, 05:56 PM
اسمه و نسبه:
الإمام، المحدث، الحافظ، المقرئ، الفقيه، الأديب، المؤرخ ، الناظم : أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل بن عبد الله التنسي التلمساني ، ولد بمدينة تنس ، ولم أقف على سنة مولده في جميع الكتب التي ترجمت له و هذا امر غريب في حق عالم مشهور كالتنسي ؟ لكنني وجدت الامام السخاوي ذكر في ترجمته رقم 274 قال : '' بلغني في سنة ثلاث وتسعين بأنه حي مقيم بتلمسان جاز الستين '' ولما كان السخاوي قد فرغ من تبييض كتابه في ربيع الآخر من سنة (896هـ) كما هو معروف، يمكنني القول – والله اعلم- انه ولد بين سنوات 832 الى 834 هـ .
شيوخه و طلبه للعلم :
أول شيوخه هو والده عبد الجليل الذي حفظ على يديه القرآن الكريم و علوم العربية و آدابها ، و الحديث الشريف ، انتقل بعدها الى حاضرة الزيانيين مدينة تلمسان حيث قرأ التفسير و القراءات و الحديث و الفقه عن علماء أجلاء منهم ابن مرزوق الحفيد [الامام الحبر أبي الفضل محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن مرزوق الحفيد (قطف الثمر ج1/ص111)]، والولي أبي إسحاق إبراهيم التازي، وأبي الفضل بن الإمام، وأحمد ابن زاغو، وقاسم بن سعيد العقباني، ممن كانت لهم "مشاركة في العلوم العقلية والنقلية" ( البستان في ذكر أولياء تلمسان لابن مريم ص 248، 249 )، و قد انتقل الى مدينة فاس حيث أخذ عن علمائها ، و سافر ايضا الى المشرق ليستفيد مما يرويه محدثيه و علمائه.
تلامذته و سعة علمه :
لقد تخرج على يد الامام التنسي تلامذة كثيرين ، كما حضر دروسه التي كان يلقيها لسنين طويلة في مساجد تلمسان خلق لا يعد و لا يحصى يدل على ذلك قول تلميذه العالم أبو عبد الله ابن الامام ابن العباس [شيخ شيوخ وقته في تلمسان، من كتبه (شرح لامية الافعال) لابن مالك، في الصرف، و (شرح جمل الخونجي) في المنطق، و (العروة الوثقى في تنزيه الانبياء عن فرية الالقا) و (فتاوي) توفي سنة 871هـ ] .
"لازمت مجلس الفقية العالم الشهير، سيدي التنسي عشرة أعوام، وحضرت إقراءه تفسيرا، وحديثا، وفقها وعربية، وغيرها".
و تتلمذ عليه الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي الفضل بن سعيد بن سعد الانصاري ،ابن صعد مؤلف "النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب"، ومؤلف "روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخرين". و " مفاخر الاسلام " و " في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم" توفي سنة 901 هـ ]
و من تلامذته أيضا حفيد الحفيد ابن مرزوق [ محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر من مرزوق العجيسي (766 - 842 هـ = 1364 - 1438 م) : عالم بالفقه والاصول والحديث والادب،
له كتب وشروح كثيرة، منها " المفاتيح المرزوقية لحل الاقفال واستخراج خبايا الخزرجية "و " أنواع الذراري في مكررات البخاري " و " نور اليقين في شرح أولياء الله المتقين " و " تفسير سورة الاخلاص " وثلاثة شروح على " البردة " و " المتجر الربيح " في شرح صحيح و غيرها ]
و من بين تلاميذته ، المتصوف الشهير أحمد زروق و غيرهم ، أن هذه الاسماء الاعلام تدل على علو كعب هذا الامام و سعة علمه.
كما عرف الامام التنسي باهتمامه الكبير بالأدب شعرا ونثرا، وكثير اهتمامه بالتاريخ. وإذا كان معاصروه والمترجمون له، قد انتبهوا لقوة حافظته، ولسعة اطلاعه، ولتبحره في علم الحديث النبوي الشريف، وفي الفقة فإننا نلاحظ أنهم حرصوا كل الحرص، على إظهار ميله إلى التاريخ والأدب، مع أن الاهتمام بالمادتين كما هو معروف، كان قليلا في ذلك العصر الذي تغلبت فيه العلوم الدينية والتصوف على الحياة العلمية، فوصف أحمد الونشريسي صاحب "المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب" الامام التنسي: "بالفقيه، الحافظ، التاريخي، والأديب الشاعر".
و قد أورد المقري أبو العباس أحمد في كتابه :" أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض: 1/ 85 " كيف انه كان بنتقد و يعلق على قصائد الشعراء و منهم الشاعر الاديب ابن الخطيب ، قال المقري : (...و كان الفقيه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب المذكور آنفا كثيرا ما يوجه إليه بالأمداح [السلطان أبو حمو الزياني ] ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه فجعلها مقدمة بين يدي نجواه لتمهد له مثواه وتحصل له المستقرة إذا ألجأه إلى الأمر إلى المفر فلم تساعده الأيام كما هو شأنها في أكثر الأعلام وهي هذه:
أطلعن في سدف الفروع شموسها ... ضحك الظلام لها وكان عبوسا
و عطف قضبا للقدود نواعما ........ بوئن أدواح النعيم غروسا
قال الحافظ أبو عبد الله التنسي رحمه الله ورضى عنه : حذا أبن الخطيب في هذه السينية حذو أبي تمام في قصيدته التي أولها:
أقشيب ربعهم أراك دريسا ... تقري ضيوفك لوعة ورسيسا
و أختلس كثيرا من ألفاظها ومعانيها) انتهى.
وقد اشتهر الإمام التنسي أيضا بالإفتاء كباقي كبار العلماء. ومما يثبت اهتمامه بالافتاء، جوابه الطويل في "قضية يهود توات"، وقد بسط هذه النازلة الإمام أحمد بن يحي الونشريسي في موسوعته الفقهية: "المعيار المعرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب".
و ملخصها :
'' ....وأصل المشكلة هو أن بعض المسلمين من "توات"، تلك الناحية المتواجدة على ضفاف نهر "الساورة" في وسط الصحراء الجزائرية، والتي تضم عددا من الواحات أو القصور كما يسميها سكان الجنوب، قد أنكروا على اليهود القاطنين في المنطقة، سلوكهم، ومخالفتهم للقوانين، وللتراتيب التي حددها لهم الفقهاء المسلمون، على مر العصور. وتفاقمت الأزمة بعد أن شيد أولئك السكان من اليهود، كنيسة جديدة لهم في "تمنطيط". وقد أثار هذا الخبر ثائرة المتشددين، الذين اعتبروا تشييد معبد جديد، مخالفة صريحة للشريعة التي تسمح للذميين بإصلاح معابدهم القديمة فقط، وتحظر عليهم بناء معابد جديدة، غير أن بعض العلماء المحليين، وعلى رأسهم قاضي المدينة، خالفوا أولئك المتشددين وقالوا: إن اليهود ذميون، لهم ما لأهل الذمة من الحقوق المنصوص عليها في كتب الفقه. وقد احتج كل فريق بأحاديث نبوية، وبأقوال السلف من الأئمة والفقهاء. غير أن كلا الفريقين لم يقو على فرض آرائه، وعلى استمالة عامة الناس إليه. وكان في مقدمة الناقمين على اليهود، العالم الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي. وقد اشتهر هذا الفقيه بنشاطه، وبحيويته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي نشر تعاليم الإسلام ببلاد الزنوج، فأصدر فتوى في حق اليهود القاطنين في مدينة توات وفي بعض مدن الشمال الإفريقي، أكد من خلالها أن سيطرة اليهود على عموم نواحي الحياة في تلك الديار، وبخاصة النواحي الاقتصادية، يتنافى مع مبدأ الذلة والصغار التي اشترطها الإسلام مقابل حمايتهم وعيشهم بين ظهراني المسلمين. وعليه فإن هذا التفوق لليهود وإمساكهم بزمام السلطة من خلال سيطرتهم على التجارة، يستوجب - في نظر هذا العالم - محاربتهم وهدم كنائسهم وكسر شوكتهم ليعودوا إلى الذل والصغار. وقد أثارت هذه الفتوى، من قبل الإمام المغيلي، ردود فعل كثيرة في أوساط معاصريه من العلماء بين مؤيد ومعارض.
ولما حمي الوطيس بين الفريق المناصر لمحمد بن عبد الكريم المغيلي، والفريق المعارض له، واشتد الخلاف بين المسلمين، راسل كلا الفريقين أكبر علماء العصر في تلمسان، وفي فاس، وفي تونس، [وكانت المدن الثلاث العواصم السياسية، والدينية، والثقافية للأجزاء الثلاثة من المغرب الإسلامي. يستفتيانهم في القضية، وكان كل فريق يأمل تأييد موقفه ضد موقف الفريق الآخر، المتهم بمخالفة تعاليم الشريعة. وقد كان مترجمنا الإمام التنسي في تعداد العلماء الأجلاء الذين قصدهم الفريقان. ومما لا شك فيه، أن تحاكم الفريقين بتوات إلى الحافظ التنسي، لدليل على رفعة مكانته في عيون معاصريه، كما قدمنا.
وذكر أحمد الونشريسي في المعيار، مختلف الفتاوى التي تلقاها الفريقان، وقد انقسم أصحاب الأجوبة من الفقهاء إلى مؤيدين للمغيلي، وإلى مخالفين لموقفه. وكان محمد التنسي من جملة من وافق المغيلي الموافقة الحاسمة، وأيد موقفه المناهض لليهود ولأنصارهم. ويقول المؤرخون: إنه فور وصول جواب الإمام التنسي لواحة تمنطيط بتوات ، حمل المغيلي وأنصاره السلاح و الفؤوس و الآلات ، وانقضوا على كنائس اليهود، فهدموها.''
[ لمن أراد الاطلاع على جواب التنسي في هذه النازلة عليه عليه بمراجعتها في كتاب الونشريسي "المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب" تحت العنوان التالي "نازلة يهود توات من قصور صحراء المغرب الأوسط"، وذلك في 16 صفحة من الطبعة التي قام بتحقيقها الباحث المغربي محمد حجي].
ثناء العلماء عليه:
لقد احتل الامام التنسي منزلة رفيعة بين العلماء ، تدل على ذلك تلك الألقاب والنعوت التي اطلقها عليه معاصروه و تلامذته و العلماء الذي ترجموا له ، فقد سموه بالحافظ، وأصبحت الكلمة التي تدل على إتقانه لعلوم الحديث النبوي الشريف وحفظه، مقرونة باسمه. فلم يدع في كتب التراجم، إلا باسم الحافظ التنسي أو بالإمام. كما اختص التنسي بالوصف بالأديب، وبالمؤرخ. وقد سماه تلميذه أحمد ابن داوود البلوي الأندلسي "بقية الحفاظ، وقدوة الأدباء"، وذكر عن البلوي المذكور أنه لما خرج من تلمسان سئل عن علمائها فقال:" العلم مع التنسي والصلاح مع السنوسي والرياسة مع ابن زكري"، ووصفه الونشريسي في المعيار المعرب: " بالحافظ ، المحدث ،الفقيه".
ووصفه الامام السخاوي – بالعالم ، المصنف - لما ترجم له في الضوء اللامع : " محمد بن عبد الله التنسي - نسبة لتنس من أعمال تلمسان - المغربي المالكي.....مشار إليه بالعلم، وله تصانيف ".
وقال ابن مريم في ترجمته :" الفقيه الجليل الحافظ الاديب المطلع كان من اكابر علماء تلمسان الجلة و محققيها "
يتبع
الإمام، المحدث، الحافظ، المقرئ، الفقيه، الأديب، المؤرخ ، الناظم : أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل بن عبد الله التنسي التلمساني ، ولد بمدينة تنس ، ولم أقف على سنة مولده في جميع الكتب التي ترجمت له و هذا امر غريب في حق عالم مشهور كالتنسي ؟ لكنني وجدت الامام السخاوي ذكر في ترجمته رقم 274 قال : '' بلغني في سنة ثلاث وتسعين بأنه حي مقيم بتلمسان جاز الستين '' ولما كان السخاوي قد فرغ من تبييض كتابه في ربيع الآخر من سنة (896هـ) كما هو معروف، يمكنني القول – والله اعلم- انه ولد بين سنوات 832 الى 834 هـ .
شيوخه و طلبه للعلم :
أول شيوخه هو والده عبد الجليل الذي حفظ على يديه القرآن الكريم و علوم العربية و آدابها ، و الحديث الشريف ، انتقل بعدها الى حاضرة الزيانيين مدينة تلمسان حيث قرأ التفسير و القراءات و الحديث و الفقه عن علماء أجلاء منهم ابن مرزوق الحفيد [الامام الحبر أبي الفضل محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن مرزوق الحفيد (قطف الثمر ج1/ص111)]، والولي أبي إسحاق إبراهيم التازي، وأبي الفضل بن الإمام، وأحمد ابن زاغو، وقاسم بن سعيد العقباني، ممن كانت لهم "مشاركة في العلوم العقلية والنقلية" ( البستان في ذكر أولياء تلمسان لابن مريم ص 248، 249 )، و قد انتقل الى مدينة فاس حيث أخذ عن علمائها ، و سافر ايضا الى المشرق ليستفيد مما يرويه محدثيه و علمائه.
تلامذته و سعة علمه :
لقد تخرج على يد الامام التنسي تلامذة كثيرين ، كما حضر دروسه التي كان يلقيها لسنين طويلة في مساجد تلمسان خلق لا يعد و لا يحصى يدل على ذلك قول تلميذه العالم أبو عبد الله ابن الامام ابن العباس [شيخ شيوخ وقته في تلمسان، من كتبه (شرح لامية الافعال) لابن مالك، في الصرف، و (شرح جمل الخونجي) في المنطق، و (العروة الوثقى في تنزيه الانبياء عن فرية الالقا) و (فتاوي) توفي سنة 871هـ ] .
"لازمت مجلس الفقية العالم الشهير، سيدي التنسي عشرة أعوام، وحضرت إقراءه تفسيرا، وحديثا، وفقها وعربية، وغيرها".
و تتلمذ عليه الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي الفضل بن سعيد بن سعد الانصاري ،ابن صعد مؤلف "النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب"، ومؤلف "روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخرين". و " مفاخر الاسلام " و " في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم" توفي سنة 901 هـ ]
و من تلامذته أيضا حفيد الحفيد ابن مرزوق [ محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر من مرزوق العجيسي (766 - 842 هـ = 1364 - 1438 م) : عالم بالفقه والاصول والحديث والادب،
له كتب وشروح كثيرة، منها " المفاتيح المرزوقية لحل الاقفال واستخراج خبايا الخزرجية "و " أنواع الذراري في مكررات البخاري " و " نور اليقين في شرح أولياء الله المتقين " و " تفسير سورة الاخلاص " وثلاثة شروح على " البردة " و " المتجر الربيح " في شرح صحيح و غيرها ]
و من بين تلاميذته ، المتصوف الشهير أحمد زروق و غيرهم ، أن هذه الاسماء الاعلام تدل على علو كعب هذا الامام و سعة علمه.
كما عرف الامام التنسي باهتمامه الكبير بالأدب شعرا ونثرا، وكثير اهتمامه بالتاريخ. وإذا كان معاصروه والمترجمون له، قد انتبهوا لقوة حافظته، ولسعة اطلاعه، ولتبحره في علم الحديث النبوي الشريف، وفي الفقة فإننا نلاحظ أنهم حرصوا كل الحرص، على إظهار ميله إلى التاريخ والأدب، مع أن الاهتمام بالمادتين كما هو معروف، كان قليلا في ذلك العصر الذي تغلبت فيه العلوم الدينية والتصوف على الحياة العلمية، فوصف أحمد الونشريسي صاحب "المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب" الامام التنسي: "بالفقيه، الحافظ، التاريخي، والأديب الشاعر".
و قد أورد المقري أبو العباس أحمد في كتابه :" أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض: 1/ 85 " كيف انه كان بنتقد و يعلق على قصائد الشعراء و منهم الشاعر الاديب ابن الخطيب ، قال المقري : (...و كان الفقيه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب المذكور آنفا كثيرا ما يوجه إليه بالأمداح [السلطان أبو حمو الزياني ] ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه فجعلها مقدمة بين يدي نجواه لتمهد له مثواه وتحصل له المستقرة إذا ألجأه إلى الأمر إلى المفر فلم تساعده الأيام كما هو شأنها في أكثر الأعلام وهي هذه:
أطلعن في سدف الفروع شموسها ... ضحك الظلام لها وكان عبوسا
و عطف قضبا للقدود نواعما ........ بوئن أدواح النعيم غروسا
قال الحافظ أبو عبد الله التنسي رحمه الله ورضى عنه : حذا أبن الخطيب في هذه السينية حذو أبي تمام في قصيدته التي أولها:
أقشيب ربعهم أراك دريسا ... تقري ضيوفك لوعة ورسيسا
و أختلس كثيرا من ألفاظها ومعانيها) انتهى.
وقد اشتهر الإمام التنسي أيضا بالإفتاء كباقي كبار العلماء. ومما يثبت اهتمامه بالافتاء، جوابه الطويل في "قضية يهود توات"، وقد بسط هذه النازلة الإمام أحمد بن يحي الونشريسي في موسوعته الفقهية: "المعيار المعرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب".
و ملخصها :
'' ....وأصل المشكلة هو أن بعض المسلمين من "توات"، تلك الناحية المتواجدة على ضفاف نهر "الساورة" في وسط الصحراء الجزائرية، والتي تضم عددا من الواحات أو القصور كما يسميها سكان الجنوب، قد أنكروا على اليهود القاطنين في المنطقة، سلوكهم، ومخالفتهم للقوانين، وللتراتيب التي حددها لهم الفقهاء المسلمون، على مر العصور. وتفاقمت الأزمة بعد أن شيد أولئك السكان من اليهود، كنيسة جديدة لهم في "تمنطيط". وقد أثار هذا الخبر ثائرة المتشددين، الذين اعتبروا تشييد معبد جديد، مخالفة صريحة للشريعة التي تسمح للذميين بإصلاح معابدهم القديمة فقط، وتحظر عليهم بناء معابد جديدة، غير أن بعض العلماء المحليين، وعلى رأسهم قاضي المدينة، خالفوا أولئك المتشددين وقالوا: إن اليهود ذميون، لهم ما لأهل الذمة من الحقوق المنصوص عليها في كتب الفقه. وقد احتج كل فريق بأحاديث نبوية، وبأقوال السلف من الأئمة والفقهاء. غير أن كلا الفريقين لم يقو على فرض آرائه، وعلى استمالة عامة الناس إليه. وكان في مقدمة الناقمين على اليهود، العالم الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي. وقد اشتهر هذا الفقيه بنشاطه، وبحيويته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي نشر تعاليم الإسلام ببلاد الزنوج، فأصدر فتوى في حق اليهود القاطنين في مدينة توات وفي بعض مدن الشمال الإفريقي، أكد من خلالها أن سيطرة اليهود على عموم نواحي الحياة في تلك الديار، وبخاصة النواحي الاقتصادية، يتنافى مع مبدأ الذلة والصغار التي اشترطها الإسلام مقابل حمايتهم وعيشهم بين ظهراني المسلمين. وعليه فإن هذا التفوق لليهود وإمساكهم بزمام السلطة من خلال سيطرتهم على التجارة، يستوجب - في نظر هذا العالم - محاربتهم وهدم كنائسهم وكسر شوكتهم ليعودوا إلى الذل والصغار. وقد أثارت هذه الفتوى، من قبل الإمام المغيلي، ردود فعل كثيرة في أوساط معاصريه من العلماء بين مؤيد ومعارض.
ولما حمي الوطيس بين الفريق المناصر لمحمد بن عبد الكريم المغيلي، والفريق المعارض له، واشتد الخلاف بين المسلمين، راسل كلا الفريقين أكبر علماء العصر في تلمسان، وفي فاس، وفي تونس، [وكانت المدن الثلاث العواصم السياسية، والدينية، والثقافية للأجزاء الثلاثة من المغرب الإسلامي. يستفتيانهم في القضية، وكان كل فريق يأمل تأييد موقفه ضد موقف الفريق الآخر، المتهم بمخالفة تعاليم الشريعة. وقد كان مترجمنا الإمام التنسي في تعداد العلماء الأجلاء الذين قصدهم الفريقان. ومما لا شك فيه، أن تحاكم الفريقين بتوات إلى الحافظ التنسي، لدليل على رفعة مكانته في عيون معاصريه، كما قدمنا.
وذكر أحمد الونشريسي في المعيار، مختلف الفتاوى التي تلقاها الفريقان، وقد انقسم أصحاب الأجوبة من الفقهاء إلى مؤيدين للمغيلي، وإلى مخالفين لموقفه. وكان محمد التنسي من جملة من وافق المغيلي الموافقة الحاسمة، وأيد موقفه المناهض لليهود ولأنصارهم. ويقول المؤرخون: إنه فور وصول جواب الإمام التنسي لواحة تمنطيط بتوات ، حمل المغيلي وأنصاره السلاح و الفؤوس و الآلات ، وانقضوا على كنائس اليهود، فهدموها.''
[ لمن أراد الاطلاع على جواب التنسي في هذه النازلة عليه عليه بمراجعتها في كتاب الونشريسي "المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب" تحت العنوان التالي "نازلة يهود توات من قصور صحراء المغرب الأوسط"، وذلك في 16 صفحة من الطبعة التي قام بتحقيقها الباحث المغربي محمد حجي].
ثناء العلماء عليه:
لقد احتل الامام التنسي منزلة رفيعة بين العلماء ، تدل على ذلك تلك الألقاب والنعوت التي اطلقها عليه معاصروه و تلامذته و العلماء الذي ترجموا له ، فقد سموه بالحافظ، وأصبحت الكلمة التي تدل على إتقانه لعلوم الحديث النبوي الشريف وحفظه، مقرونة باسمه. فلم يدع في كتب التراجم، إلا باسم الحافظ التنسي أو بالإمام. كما اختص التنسي بالوصف بالأديب، وبالمؤرخ. وقد سماه تلميذه أحمد ابن داوود البلوي الأندلسي "بقية الحفاظ، وقدوة الأدباء"، وذكر عن البلوي المذكور أنه لما خرج من تلمسان سئل عن علمائها فقال:" العلم مع التنسي والصلاح مع السنوسي والرياسة مع ابن زكري"، ووصفه الونشريسي في المعيار المعرب: " بالحافظ ، المحدث ،الفقيه".
ووصفه الامام السخاوي – بالعالم ، المصنف - لما ترجم له في الضوء اللامع : " محمد بن عبد الله التنسي - نسبة لتنس من أعمال تلمسان - المغربي المالكي.....مشار إليه بالعلم، وله تصانيف ".
وقال ابن مريم في ترجمته :" الفقيه الجليل الحافظ الاديب المطلع كان من اكابر علماء تلمسان الجلة و محققيها "
يتبع