المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اجتماع مدّ البدل مع {آلذّكرين** وأخواتها.



محمد يحيى شريف
11-22-2010, 12:19 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم , وبعد

منع بعض العلماء وجه التسهيل في كلمة { آلذّكرين ** في سورة الأنعام على قصر البدل في رواية ورش عن نافع. فعلى هذا القول تكون الأوجه خمسة وهي الإبدال في {آلذّكرين ** مع ثلاثة البدل ، والتسهيل مع التوسط والطول في البدل. فلذلك قال المتولّي في فتح المعطي :

......نبّؤو قَصْرَهُ اهمِلاَ .......إذا ما بُعَيْدَ اثْنَينِ قل قد تسهّلاَ

فمعنى البيت : اهمل القصر في بدل {نبؤني** إذا قرأت بالتسهيل في { آلذكرين ** وقد عبّر عنها ببعيد اثنين لأنها وقعت في الموضعين من سورة الأنعام بعد كلمة { اثنين **. وإلى هذا القول جنح العلاّمة الضباع في هداية المريد والشيخ عبد الفتاح القاضي في البدور الزاهرة. وهذه المسألة تحتاج إلى تحقيق وتدقيق بما يلي :

إنّ منع وجه التسهيل في { آلذكرين ** مع قصر البدل قد تعقّبه الأزميري رحمه الله حيث قال "وأغرب في النشر قصر نبؤني على التسهيل وهو في التذكرة - لابن غلبون- والحرز ولا وجه لمنعه" (انظر هداية المريد)
ولمّا رجعنا إلى النشر وجدنا أنّ الإبدال في { آلذكرين ** هو المأخوذ به من التذكرة لابن غلبون حيث قال بن الجزري " وبه قرأنا - أي الإبدال- من طريق التذكرة والهادي ....." النشر (1/377).
فلمّا رجعنا إلى كتاب التذكرة وجدنا خلاف ما في النشر حيث قال صاحب التذكرة عند الكلام على { آلذكرين ** "فإنّ همزة الاستفهام تحقق فيها ، وتسقط نبرة همزة الوصل من اللفظ وتمدّ همزة الاستفهام قليلاً فتصير في اللفظ همزة واحدة بعدها مدّة للفرق بين الاستفهام والخبر ، لا خلاف في ذلك بين القراء أجمعين "(التذكرة 1/115-تحقيق الشيخ أيمن سويد حفظه الله).
فقول صاحب التذكرة "وتسقط نبرة همزة همزة الوصل من اللفظ" دلالة على التسهيل لا على الإبدال لأنّ أثر الهمزة بقِيَتْ وإنّما حذفت نبرتها فقط بخلاف الإبدال فإنّ همزة الوصل تبدل ألفاً بحيث لا يبقى لها أثر. وقوله "وتمدّ همزة لاتسفهام قليلاً" ولم يقل تمدّ همزة الوصل لأنّ في الإبدال تمدّ همزة الوصل لا همزة الاستفهام. وقوله "فتصير في اللفظ همزة واحدة بعدها مدّة للفرق بين الاستفهام والخبر" لا يدلّ على الإبدال بل تدلّ هذه العبارة على التسهيل كما قال في الهمزتين المفتوحتين من كلمة "فقرأ الحرميان وأبو عمرو وهشام ورويس بتحقيق الهمزة الأولى وجعلوا الثانية بين بين ، فصارت كالمدّة في اللفظ في جميع القرءان"(نفس المصدر 1/111) ففسّر القول فصارت كالمدّة بعبارة بين بين التي تدلّ على التسهيل في باب الهمزتين. ويدل ذلك أنّ صاحب التذكرة ليس له وجه الإبدل في الهمزتين المفتوحتين من كلمة.
قال الداني في جامع البيان : فحدّثنا ابن غلبون – صاحب التذكرة- ، قال حدّثنا علي بن محمد ، قال حدّثنا أحمد بن سهل ، قال حدّثنا علي بن محيصن ، قال حدّثنا عمرو عن حفص عن عاصم قال {آلذّكرين** الحرفان يمدّ الألف فيهما ولا يهمزان {آلله أذن لكم** غير ممدودة الألف.(جامع البيان ص217). فقوله غير ممدودة الألف دالّ على التسهيل ثمّ ذكر نصوص وجه الإبدال. الحاصل أنّه ذكر نصاً لابن غلبون على التسهيل.

وعلى هذا يتبيّن أنّ عبارة صاحب التذكرة تدلّ على التسهيل في { آلذكرين ** بخلاف من أخذ بظاهر النشر كالمتولّي والضباع وغيرهما. فلأجل هذا تعقّب الأزميري على ظاهر النشر ومعلوم أنّ صاحب التذكرة مذهبه القصر في البدل فلا يمتنع إذاً قصر البدل مع التسهيل في { آلذكرين**.

وكلّ هذا إن سلمنا أنّ كتاب التذكرة هو طريق قصر البدل لورش من طريق الشاطبية ، والأمر ليس كذلك لأنّ كتاب التذكرة يحتوي على أوجه لورش تختلف تماماً مع أصول الشاطبية في الرواية منها التمكين في اللين المهموز الذي لا يقتصر إلاّ على {شيء** و {شيئاً** لا غير. والترقيق في {إرم** ، وترقيق اللام بعد الطاء نحو {الطلاق** وتفخيم الراء في {سراعا** و {ذراعاً** و {مراء** و {افتراء** و {أن طهّرا** و {فلا تنتصران** و {ساحران** وغير ذلك. لذا فإنّ طريق قصر البدل لورش من الشاطبية ليس كتاب التذكرة أي قراءة الداني على أبي الحسن طاهر ابن غلبون إذ لو كان كذلك لنقل الشاطبيّ الخلاف في هذه المواضع.

قد يقول القائل ما هو طريق قصر البدل لورش ؟ الجواب إنّ مصادر زيادات الشاطبية على التيسير لورش مجهولة كما قال العلامة المتولّي في الروض النضير. قال عليه رحمة الله تعالى :" وكذلك منع الشيخ سلطان وتابعوه – أي ترقيق ذكراً- على التوسط – أي توسط البدل- منالشاطبية ، ولا أدري ما علّة ذلك لأنّ الترقيق من زيادات القصيدة على التيسيروطرقها مجهولة ، وليس في كلامهم ما يُعيّنها وغاية ما في النشر أنّه أوصل سندالشاطبي عن النفزي إلى صاحب التيسير من قراءته على ابن خاقان فقط وسكت عن ما وراءذلك له في طريق الأزرق ، وقد أقرّ بذلك حيث قال- أي ابن الجزري- "مع أنّا لم نعدللشاطبي – رحمه الله – وأمثاله إلى صاحب التيسير وغيره سوى طريق واحدة وإلاّ فلوعددنا طرقنا وطرقهم لتجاوزت الألف ، وهذا علمٌ أُهمل وباب أُغلق وهو السبب الأعظمفي ترك الكثير من القراءات والله تعالى يحفظ ما بقي " . ومن تأمّل قوله : " فلوعددنا طرقنا وطرقهم " قطع بأنّ ما زاده الشاطبي على التيسير ليس من طرق النشر ، فلايُقال :" الترقيق مثلاً للنشر من الشاطبية " وهذه دقيقة لم أر من نبّه عليها ، فمنزعم بعد ذلك أنّ تحرير هذه الزيادة يؤخذ من النشر لم يدر حقيقة ما يقول " (روض النضير ص 268 و269).
وقال عند تعرّضه لتحرير أوجه اللين المهموز لورش ، فقالعليه رحمة الله تعالى : " وأمّا تحرير المسألة – أي أوجه اللين - من طريق الشاطبية فكما ذكرنا ، فهذا مشهورٌ وتفريعنا عليه ولكنّي لا أدري من أين ذلك ؟ لأنّ طرق الشاطبية التي زادها على التيسير مجهولة وهذا أمرٌ متوقّف على معرفتها ، ولم يُبرّر أحد ممن قال بذلك شيئاً منها " ( روض النضير ص253 طبعة دار الصحابة).
أقول : كلامه واضح في كون مصادر الزيادات على التيسير لورش مجهولة بما فيها قصر البدل. ولا شكّ أنّ كتاب روض النضير ألّفه بعد فتح المعطي فلا تناقض بين قوليه.

فخطأ المحررين يكمل من جهتين : الأوّل أنّهم اعتمدوا على ظاهر النشر دون الرجوع إلى المصادر. الثاني أنّهم اعتقدوا أنّ طريق قصر البدل لورش من الشاطبية هو طريق التذكرة لابن غلبون والأمر ليس كذلك فمنعوا وجهاً جرّاء ما أصّلوه في أذهانهم فتبعهم على ذلك المتأخرون ، والتزمنا بذلك عند قراءتنا على بعض المشايخ في الجزائر.

فهذا نموذج لمسألة لم تًحرّر بدقّة ولعلّ المحررين معذورون باجتهادهم إذا لم يتمكّنوا من مطالعة ما في التذكرة ، وعلى ما سبق ينبغي التحفّظ من كلّ ما حرّر من طريق الشاطبية لا سيما في رواية ورش إلاّ ما حرّره إمام الفنّ ابن الجزري في نشره لعلمه بمصادرها وطرقها.

فالحاصل من هذا البحث أنّ وجه التسهيل في { آلذكرين ** مع قصر البدل ثابت في االشاطبية فلا وجه لمنعه ، وحينئذ يصير عدد الأوجه ستة وهي ثلاثة البدل على وجهي التسهيل والإبدل في { آلذكرين **.

والعلم عند الله تعالى.

بنت الإسلام
12-23-2010, 01:43 PM
جزاكَ الرحمن خيراً شيخنا الفاضل على التوضيح الطيب