الحسن محمد ماديك
02-26-2009, 01:22 AM
بسم الله الرحمـن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
فلقد حسب البعض أن تحرير طرق القراءات يعني إلزام الناس ومنهم العوام أن يقرأوا برواية حفص أو قالون مثلا لا يحيدون عن طريق الشاطبي قيد أنملة ولو إلى طريق من طرق ذلك الراوي المقروءة الثابتة الموافقة لقراءة متواترة أخرى .
وحسب المتأخرون أن تحرير الطرق هو تلكم الأوجه المتعددة التي تحصل من الضرب والافتراضات وامتلأت بها شروح الشاطبية كغيث النفع وحرصوا عليها لأنها تزيد من الهوة بين القراء وغيرهم من الأعلام كالمفسرين والمحدثين .
قلت : وليس الأمر كذلك وإنما تحرير الطرق هو تتبع الأداء مقرونا بالنص أو مفصولا عنه ـ كلاهما سواء ـ من طريق التيسير أو الحرز أو الطيبة أو النشر أو غيرها إلى نهايته وهو الراوي أو القارئ في هذه المرحلة قبل الحاجة إلى تجاوزها .
وحينئذ سيجد الباحث المتخصص نفسه أمام ملتقى للطرق فإذا به حيران لا يدري أيا من الطرق المتشعبة هي امتداد الطريق الواحد لهذا الحرف بعينه من أحرف الخلاف ؟ أم كل منها رغم تعددها هي امتداد طريقه ؟
هنالك يتساقط الأدعياء وتظهر العمائم المزيفة والألقاب الوهمية تماما كالنياشين والأوسمة يعلقها أصحاب الرتب العسكرية الذين لم يخوضوا حربا ولم ينقذوا شعبا من الذل والصغار ولم يقهروا عدوا ولو جبارا لا غبار عليه .
هنالك بعيدا عن التكلف وأوجه الضرب والحساب والافتراضات يتمسك الباحث المتخصص في تحرير أوجه القراءات أولا بالأداء ويترك القياس والتحديث جانيا ، ثم يثني إن شاء بوجه الاختيار من بين المرويات أداء .
ويستأنس بالتحديث يتعلم منه لسان العرب ، ولكن لا يقيس عليه نظائره فيقرأ بها القرآن.
ويقذف بالقياس بعيدا من مكان بعيد .
هذا التفصيل هو الذي تحتاجه الأمة اليوم وهو الذي قلّ الصابرون عليه وعز المنتبهون إليه .
إن النشر في القراءات العشر قد حوى طرق ابن الجزري إلى القراء العشرة وهي أمهات النشر أي المصنفات التي قرأ بها وتضمن النشر تعدادها (1/58ـ98) واختار من بينها لكل واحد من العشرة ما أذن في إقرائه وهو ما تضمنته طيبة النشر إلا أحرفا يسيرة خرج فيها ابن الجزري عن طرق طيبته وذكرها في الطيبة للفائدة والعلم لا غير إذ بيّن في النشر حالها وطرقها فأضحت واضحة كالشمس لا تخفى على غير الأعشى .
وكان ولا يزال منذ ظهور كتاب النشر على الباحثين المتخصصين في تحرير طرق القراءات النظر في كل حرف من أحرف الخلاف فإن كان خلافا بسيطا عن القارئ أو الراوي فقد كفي المشقة كما هو الخلاف عن القارئ نافع خلافا مفرعا كان لقالون وجه وكان لورش وجه آخر وكما لو كان الخلاف عن الراوي مفرعا كذلك فلا إشكال كما في قوله من طيبة النشر: "وإن يجر زن خلفه " اهـ
يعني الوجهين عن قنبل في التنوين المجرور قبل همزة الوصل فضم النون الساكنة فيه من طريق ابن مجاهد عنه وكذلك عنه في جميع التنوين .
وكسر النون الساكنة فيه ابن شنبوذ عنه.
أما الخلاف المعقد الذي تلتبس فيه الطرق وتتشعب فلا مناص من الرجوع إلى الأداء الذي تلقاه ابن الجزري عن العشرة وقرأ به وهو الذي فصله في النشر (1/99ـ190)
إنني أقول باحترام الأداء أولا وباحترام الرسم العثماني ثانيا وباحترام الضبط أخيرا شريطة أن لا يخالف الأداء فإن خالفه قذفت به من مكان بعيد .
إن الأداء هو رأس الأمر أي رأس المال وعليه المعول في حفظ القرآن ، إذ يعني الأمانة بالتزام الطريق التي تلقى المتأخر بها القرآن من شيخه أداء متصلا عن شيوخه إلى آخر السلسلة المتصلة بأحد الرواة عن القراء السبعة أو العشرة .
ولن تصح المحافظة على الأداء إلا من واحد من اثنين :
1. متعلم اقتصر على رواية واحدة من طريق واحدة فحفظ بها القرآن حتى أضحى كالأشرطة والاسطوانات التي يسجل فيها الكلام ولا تملك له تحريفا ولا تبديلا ولا تغييرا .
2. متخصص قرأ بأكثر من رواية أو بأكثر من قراءة بالأداء المتصل بشرطه وهو تحرير الطرق وعدم تركيبها
إن تحرير الطرق هو التقيد بالأداء الذي تلقاه المتأخر عن شيخه قراءة عليه لا تحديثا بأحرف الخلاف .
إن منهجي في تحرير طرق القراءات ليس هو منهج المتشددين بل هو منهج الخائفين الذين لن يزكوا علي بن أبي طالب برقعةأنفسهم أبدا وأني لمسلم أن يزكي نفسه ؟ بعد أن أرسل النبي فيها من أول سورة براءة ليلحق بالصديق وهو يحج بالناس قبل حجة الوداع ، ولم يسلم علي بن أبي طالب الرقعة من القرآن لأبي بكر الصديق ليقرأها على الناس لأن أبا بكر بل قرأ علي بن أبي طالب ما في الرقعة من القرآنلم يسمع تلاوة القرآن من النبي هذا الأداء هو ما نشترطه لجوازعلى الناس وأبو بكر يسمع القرآن ممن سمعه من النبي حل تلاوة القرآن ، ولن ينقص تواتر القرآن بالتمسك بهذا المنهج إلا أن لا يفهم تواتر القرآن إلا من خلال تجذير تعدد الروايات والقراءات ، ولقد ضاع من اتصال أدائها الكثير مما هو أكثر من العشرة من طرق الطيبة ولا يزال القرآن متصل الأداء متواترا إلى يومنا هذا ولن يزال إلى ما شاء الله بعد نزول عيسى ابن مريم .
وأول نتائج تحرير الطرق هو اكتشاف مواطن خرج فيها المصنف عن طريق كتابه ، ولنضرب مثلا بحرز الأماني إذ يعني خروج الشاطبي عن طريقه أنه ضمّن كتابه الحرز ما لم يتلقّ من الأداء عن شيوخه أي ما لم يقرأ به عليهم ، وهو الفوائد التي زادها على الأداء التي تلقى عن شيوخه ولا تفيد شيئا غير العلم وجمع الروايات أي لا يجوز الإقراء بها .
إن الروايات منها التحديث ولا يفيد التحديث بأحرف الخلاف من الأداء أي طريق القراءة شيئا .
أما زيادات الشاطبية على التيسير فليست كلها تعني الأداء والرواية بل أكثرها هو للعلم والفائدة إذ ليس من قبيل الرواية والأداء إلا أربع من تلك الزيادات :
1. أداء لأبي نشيط من طريق القزاز عن الأشعث
2. وأداء للأزرق من طريق الخياط عن النحاس
وأداءان لدوري البصري .
ولقد نظمته أثناء دراستي الطيبة والشاطبية في سنة 1989 هـ بقولي :
أيا قارئ التيسير راع طريقـه ==وما زاد فيه الحرز عنه تحـولا
فدوري أبي عمرو وبز معهما ابـــن ذكوان عن عبد العزيز تحمـلا
وعن نجل خاقان للازرق وحده== وعن طاهر حفص وبزار فاعقلا
وعن فارس الباقي وزاد لشعبة ==طريقافذي خمس وعشر فحصّلا
وما فيه(ها) في النزع والشمس غير(را) ==لأزرقهم عن طاهر قد تقبّلا
وللحرز للقزاز ثم ابن أشعث== فزد لأبي نشيط حبلا موصلا
وزاد إلى خياط نحاس أزرق ==وزاد لدوري البصر حبلين فاعقلا
قلت وإنما يعني خروج الشاطبي عن طريقه إذا خالف طريق التيسير المعروفة وخالف الأداءات الأربعة المذكورة كأن يتضمن حرز الأماني للأزرق أداء ليس من طريق التيسير ولم يروه الشاطبي عن شيخه النفزي عن ابن غلام الفرس عن أبي داوود عن الداني عن خلف بن إبراهيم بن خاقان عن الأنماطي عن الخياط عن النحاس عن الأزرق
والفرق بين هذه الزيادة للشاطبي على التيسير أن طريق التيسير للأزرق هو قراءة الداني على شيخه خلف بن إبراهيم بن خاقان عن ابن أسامة التجيبي عن النحاس عن الأزرق ، أما زيادة الشاطبي فمن قراءة خلف بن خاقان على الأنماطي ، ويعني أنها تضمنت طريق ابن خاقان عن الأنماطي عن الخياط وهي الزيادة على التيسير التي هي طريق ابن خاقان عن ابن أسامة .
أن خروج المصنف عن طريق كتابه أي عن الأداء الذي تلقّى إنما يعني دخوله حتما في إحدى المتاهات التالية :
1. موافقة أداء منزل وهو ما يسمى بتركيب الطرق وهو رغم ما فيه من العيوب قد لا يعترض عليه مادام دورانه في فلك الرواية إذ لا يعتبر العدول إلى صحيح الروايات بدل رواية عسر أو شق أو خفي أداؤها من القياس بل هو الرواية والنص والأداء الواجب اتباعه .
2. موافقة التحديث بحرف من أحرف الخلاف حرصا على تميّز هذه الرواية أو تلك كأنما هو الغاية أو هو الشرط لتواتر القرآن ، وإلا فالاكتفاء بالأداء المنزل للجماعة أقرب إلى الأمانة العلمية .
ولإيضاح التحديث فإليكم نموذج الفرق بينه وبين الأداء من أسانيد الداني لكتابه التيسير ، قال أبو عمرو الداني :
"فأما رواية قالون عنه فحدثنا بها أحمد بن عمر ابن محمد الجيزي قال أخبرنا محمد بن أحمد بن منير قال حدثنا عبد الله بن عيسى المدني قال حدثنا قالون عن نافع" .
"وقرأت بها القرآن كله على شيخي أبي الفتح فارس بن أحمد ...إلخ .
فالأول تحديث بأحرف الخلاف والثاني أداء متصل بتلاوة القرآن كله أي بالمتفق عليه وبالمختلف فيه من أحرف الخلاف .
قلت : ولقد وقع في كتب المصنفين اعتماد على التحديث دون التلاوة ومنه على سبيل المثال :
ـ طريق عبد الواحد بن عمر عن ابن الحباب عن البزي ، قال ابن الجزري في النشر (1/117) :"إلا أن ابن عمر قرأ الحروف" اهـ بلفظه يعني أن عبد الواحد بن عمر لم يتلقّ رواية البزي أداء وإنما بأحرف الخلاف .
ـ طريق ابن مجاهد من كتاب السبعة عن الأزرق الجمال عن الحلواني عن هشام عن ابن عامر ، قال ابن الجزري في النشر (1/137) :"إلا أن ابن مجاهد قرأ الحروف دون القرآن" اهـ بلفظه يعني أن ابن مجاهد لم يتلقّ رواية هشام من الطريق المذكورة أداء وإنما تحديثا بأحرف الخلاف .
ـ طريق النحاس والخلال عن أبي عيسى بكار بن بنان البغدادي عن الصواف عن أبي حمدون عن يحيى بن آدم عن شعبة ، قال ابن الجزري في النشر (1/149) :"إلا أن النحاس والخلال قرآ عليه الحروف" اهـ بلفظه
ـ طريق شعيب عن يحيى بن آدم عن شعبة ، قال في النشر (1/150) :"والصحيح أن شعيبا سمع منه الحروف" اهـ بلفظه
ـ طريق يحيى بن آدم عن شعبة ، قال في النشر (1/151) :"والصحيح أن يحيى بن آدم روى منه الحروف سماعا وأن يحيى العليمي عرض عليه القرآن" اهـ بلفظه
3. السقوط في هوة القياس وهو الأدهى والأمرّ إذ يعني الإعراض عن الأداء المنزل المتفق عليه واستبداله بأداء في كلمة أو حرف من تأليف الناس حرصا على التقيد بقاعدة نحوية قرئ بها بعض نظائرها فقاس المصنفون عليها سائر نظائرها وليلبسوا الروايات المتأخرة عن لباس القداسة وأنها كلها هكذا من ألفها إلى يائها هي أداء منزل من عند اللهالنبي .
ويترتب على العلم بتلك المواطن مسؤولية ينوء بها المتخصصون أئمة القراءات ليعودوا بالأمة إلى أداء المصاحف العثمانية الخالية تماما من القياس ومن أداءات تغص بها الروايات والقراءات اليوم ومنذ ألف سنة .
يتواصل
الحسن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
فلقد حسب البعض أن تحرير طرق القراءات يعني إلزام الناس ومنهم العوام أن يقرأوا برواية حفص أو قالون مثلا لا يحيدون عن طريق الشاطبي قيد أنملة ولو إلى طريق من طرق ذلك الراوي المقروءة الثابتة الموافقة لقراءة متواترة أخرى .
وحسب المتأخرون أن تحرير الطرق هو تلكم الأوجه المتعددة التي تحصل من الضرب والافتراضات وامتلأت بها شروح الشاطبية كغيث النفع وحرصوا عليها لأنها تزيد من الهوة بين القراء وغيرهم من الأعلام كالمفسرين والمحدثين .
قلت : وليس الأمر كذلك وإنما تحرير الطرق هو تتبع الأداء مقرونا بالنص أو مفصولا عنه ـ كلاهما سواء ـ من طريق التيسير أو الحرز أو الطيبة أو النشر أو غيرها إلى نهايته وهو الراوي أو القارئ في هذه المرحلة قبل الحاجة إلى تجاوزها .
وحينئذ سيجد الباحث المتخصص نفسه أمام ملتقى للطرق فإذا به حيران لا يدري أيا من الطرق المتشعبة هي امتداد الطريق الواحد لهذا الحرف بعينه من أحرف الخلاف ؟ أم كل منها رغم تعددها هي امتداد طريقه ؟
هنالك يتساقط الأدعياء وتظهر العمائم المزيفة والألقاب الوهمية تماما كالنياشين والأوسمة يعلقها أصحاب الرتب العسكرية الذين لم يخوضوا حربا ولم ينقذوا شعبا من الذل والصغار ولم يقهروا عدوا ولو جبارا لا غبار عليه .
هنالك بعيدا عن التكلف وأوجه الضرب والحساب والافتراضات يتمسك الباحث المتخصص في تحرير أوجه القراءات أولا بالأداء ويترك القياس والتحديث جانيا ، ثم يثني إن شاء بوجه الاختيار من بين المرويات أداء .
ويستأنس بالتحديث يتعلم منه لسان العرب ، ولكن لا يقيس عليه نظائره فيقرأ بها القرآن.
ويقذف بالقياس بعيدا من مكان بعيد .
هذا التفصيل هو الذي تحتاجه الأمة اليوم وهو الذي قلّ الصابرون عليه وعز المنتبهون إليه .
إن النشر في القراءات العشر قد حوى طرق ابن الجزري إلى القراء العشرة وهي أمهات النشر أي المصنفات التي قرأ بها وتضمن النشر تعدادها (1/58ـ98) واختار من بينها لكل واحد من العشرة ما أذن في إقرائه وهو ما تضمنته طيبة النشر إلا أحرفا يسيرة خرج فيها ابن الجزري عن طرق طيبته وذكرها في الطيبة للفائدة والعلم لا غير إذ بيّن في النشر حالها وطرقها فأضحت واضحة كالشمس لا تخفى على غير الأعشى .
وكان ولا يزال منذ ظهور كتاب النشر على الباحثين المتخصصين في تحرير طرق القراءات النظر في كل حرف من أحرف الخلاف فإن كان خلافا بسيطا عن القارئ أو الراوي فقد كفي المشقة كما هو الخلاف عن القارئ نافع خلافا مفرعا كان لقالون وجه وكان لورش وجه آخر وكما لو كان الخلاف عن الراوي مفرعا كذلك فلا إشكال كما في قوله من طيبة النشر: "وإن يجر زن خلفه " اهـ
يعني الوجهين عن قنبل في التنوين المجرور قبل همزة الوصل فضم النون الساكنة فيه من طريق ابن مجاهد عنه وكذلك عنه في جميع التنوين .
وكسر النون الساكنة فيه ابن شنبوذ عنه.
أما الخلاف المعقد الذي تلتبس فيه الطرق وتتشعب فلا مناص من الرجوع إلى الأداء الذي تلقاه ابن الجزري عن العشرة وقرأ به وهو الذي فصله في النشر (1/99ـ190)
إنني أقول باحترام الأداء أولا وباحترام الرسم العثماني ثانيا وباحترام الضبط أخيرا شريطة أن لا يخالف الأداء فإن خالفه قذفت به من مكان بعيد .
إن الأداء هو رأس الأمر أي رأس المال وعليه المعول في حفظ القرآن ، إذ يعني الأمانة بالتزام الطريق التي تلقى المتأخر بها القرآن من شيخه أداء متصلا عن شيوخه إلى آخر السلسلة المتصلة بأحد الرواة عن القراء السبعة أو العشرة .
ولن تصح المحافظة على الأداء إلا من واحد من اثنين :
1. متعلم اقتصر على رواية واحدة من طريق واحدة فحفظ بها القرآن حتى أضحى كالأشرطة والاسطوانات التي يسجل فيها الكلام ولا تملك له تحريفا ولا تبديلا ولا تغييرا .
2. متخصص قرأ بأكثر من رواية أو بأكثر من قراءة بالأداء المتصل بشرطه وهو تحرير الطرق وعدم تركيبها
إن تحرير الطرق هو التقيد بالأداء الذي تلقاه المتأخر عن شيخه قراءة عليه لا تحديثا بأحرف الخلاف .
إن منهجي في تحرير طرق القراءات ليس هو منهج المتشددين بل هو منهج الخائفين الذين لن يزكوا علي بن أبي طالب برقعةأنفسهم أبدا وأني لمسلم أن يزكي نفسه ؟ بعد أن أرسل النبي فيها من أول سورة براءة ليلحق بالصديق وهو يحج بالناس قبل حجة الوداع ، ولم يسلم علي بن أبي طالب الرقعة من القرآن لأبي بكر الصديق ليقرأها على الناس لأن أبا بكر بل قرأ علي بن أبي طالب ما في الرقعة من القرآنلم يسمع تلاوة القرآن من النبي هذا الأداء هو ما نشترطه لجوازعلى الناس وأبو بكر يسمع القرآن ممن سمعه من النبي حل تلاوة القرآن ، ولن ينقص تواتر القرآن بالتمسك بهذا المنهج إلا أن لا يفهم تواتر القرآن إلا من خلال تجذير تعدد الروايات والقراءات ، ولقد ضاع من اتصال أدائها الكثير مما هو أكثر من العشرة من طرق الطيبة ولا يزال القرآن متصل الأداء متواترا إلى يومنا هذا ولن يزال إلى ما شاء الله بعد نزول عيسى ابن مريم .
وأول نتائج تحرير الطرق هو اكتشاف مواطن خرج فيها المصنف عن طريق كتابه ، ولنضرب مثلا بحرز الأماني إذ يعني خروج الشاطبي عن طريقه أنه ضمّن كتابه الحرز ما لم يتلقّ من الأداء عن شيوخه أي ما لم يقرأ به عليهم ، وهو الفوائد التي زادها على الأداء التي تلقى عن شيوخه ولا تفيد شيئا غير العلم وجمع الروايات أي لا يجوز الإقراء بها .
إن الروايات منها التحديث ولا يفيد التحديث بأحرف الخلاف من الأداء أي طريق القراءة شيئا .
أما زيادات الشاطبية على التيسير فليست كلها تعني الأداء والرواية بل أكثرها هو للعلم والفائدة إذ ليس من قبيل الرواية والأداء إلا أربع من تلك الزيادات :
1. أداء لأبي نشيط من طريق القزاز عن الأشعث
2. وأداء للأزرق من طريق الخياط عن النحاس
وأداءان لدوري البصري .
ولقد نظمته أثناء دراستي الطيبة والشاطبية في سنة 1989 هـ بقولي :
أيا قارئ التيسير راع طريقـه ==وما زاد فيه الحرز عنه تحـولا
فدوري أبي عمرو وبز معهما ابـــن ذكوان عن عبد العزيز تحمـلا
وعن نجل خاقان للازرق وحده== وعن طاهر حفص وبزار فاعقلا
وعن فارس الباقي وزاد لشعبة ==طريقافذي خمس وعشر فحصّلا
وما فيه(ها) في النزع والشمس غير(را) ==لأزرقهم عن طاهر قد تقبّلا
وللحرز للقزاز ثم ابن أشعث== فزد لأبي نشيط حبلا موصلا
وزاد إلى خياط نحاس أزرق ==وزاد لدوري البصر حبلين فاعقلا
قلت وإنما يعني خروج الشاطبي عن طريقه إذا خالف طريق التيسير المعروفة وخالف الأداءات الأربعة المذكورة كأن يتضمن حرز الأماني للأزرق أداء ليس من طريق التيسير ولم يروه الشاطبي عن شيخه النفزي عن ابن غلام الفرس عن أبي داوود عن الداني عن خلف بن إبراهيم بن خاقان عن الأنماطي عن الخياط عن النحاس عن الأزرق
والفرق بين هذه الزيادة للشاطبي على التيسير أن طريق التيسير للأزرق هو قراءة الداني على شيخه خلف بن إبراهيم بن خاقان عن ابن أسامة التجيبي عن النحاس عن الأزرق ، أما زيادة الشاطبي فمن قراءة خلف بن خاقان على الأنماطي ، ويعني أنها تضمنت طريق ابن خاقان عن الأنماطي عن الخياط وهي الزيادة على التيسير التي هي طريق ابن خاقان عن ابن أسامة .
أن خروج المصنف عن طريق كتابه أي عن الأداء الذي تلقّى إنما يعني دخوله حتما في إحدى المتاهات التالية :
1. موافقة أداء منزل وهو ما يسمى بتركيب الطرق وهو رغم ما فيه من العيوب قد لا يعترض عليه مادام دورانه في فلك الرواية إذ لا يعتبر العدول إلى صحيح الروايات بدل رواية عسر أو شق أو خفي أداؤها من القياس بل هو الرواية والنص والأداء الواجب اتباعه .
2. موافقة التحديث بحرف من أحرف الخلاف حرصا على تميّز هذه الرواية أو تلك كأنما هو الغاية أو هو الشرط لتواتر القرآن ، وإلا فالاكتفاء بالأداء المنزل للجماعة أقرب إلى الأمانة العلمية .
ولإيضاح التحديث فإليكم نموذج الفرق بينه وبين الأداء من أسانيد الداني لكتابه التيسير ، قال أبو عمرو الداني :
"فأما رواية قالون عنه فحدثنا بها أحمد بن عمر ابن محمد الجيزي قال أخبرنا محمد بن أحمد بن منير قال حدثنا عبد الله بن عيسى المدني قال حدثنا قالون عن نافع" .
"وقرأت بها القرآن كله على شيخي أبي الفتح فارس بن أحمد ...إلخ .
فالأول تحديث بأحرف الخلاف والثاني أداء متصل بتلاوة القرآن كله أي بالمتفق عليه وبالمختلف فيه من أحرف الخلاف .
قلت : ولقد وقع في كتب المصنفين اعتماد على التحديث دون التلاوة ومنه على سبيل المثال :
ـ طريق عبد الواحد بن عمر عن ابن الحباب عن البزي ، قال ابن الجزري في النشر (1/117) :"إلا أن ابن عمر قرأ الحروف" اهـ بلفظه يعني أن عبد الواحد بن عمر لم يتلقّ رواية البزي أداء وإنما بأحرف الخلاف .
ـ طريق ابن مجاهد من كتاب السبعة عن الأزرق الجمال عن الحلواني عن هشام عن ابن عامر ، قال ابن الجزري في النشر (1/137) :"إلا أن ابن مجاهد قرأ الحروف دون القرآن" اهـ بلفظه يعني أن ابن مجاهد لم يتلقّ رواية هشام من الطريق المذكورة أداء وإنما تحديثا بأحرف الخلاف .
ـ طريق النحاس والخلال عن أبي عيسى بكار بن بنان البغدادي عن الصواف عن أبي حمدون عن يحيى بن آدم عن شعبة ، قال ابن الجزري في النشر (1/149) :"إلا أن النحاس والخلال قرآ عليه الحروف" اهـ بلفظه
ـ طريق شعيب عن يحيى بن آدم عن شعبة ، قال في النشر (1/150) :"والصحيح أن شعيبا سمع منه الحروف" اهـ بلفظه
ـ طريق يحيى بن آدم عن شعبة ، قال في النشر (1/151) :"والصحيح أن يحيى بن آدم روى منه الحروف سماعا وأن يحيى العليمي عرض عليه القرآن" اهـ بلفظه
3. السقوط في هوة القياس وهو الأدهى والأمرّ إذ يعني الإعراض عن الأداء المنزل المتفق عليه واستبداله بأداء في كلمة أو حرف من تأليف الناس حرصا على التقيد بقاعدة نحوية قرئ بها بعض نظائرها فقاس المصنفون عليها سائر نظائرها وليلبسوا الروايات المتأخرة عن لباس القداسة وأنها كلها هكذا من ألفها إلى يائها هي أداء منزل من عند اللهالنبي .
ويترتب على العلم بتلك المواطن مسؤولية ينوء بها المتخصصون أئمة القراءات ليعودوا بالأمة إلى أداء المصاحف العثمانية الخالية تماما من القياس ومن أداءات تغص بها الروايات والقراءات اليوم ومنذ ألف سنة .
يتواصل
الحسن