توجيه القراءات
يطلق على هذا العلم اصطلاحات أخرى منها: (معاني القراءات)، (تعليل القراءات)، (الاحتجاج للقراءات) وغيرها.
قال ابن زنجلة: "الحجة لا يراد بها الدليل؛ لأن دليل القراءة صحة إسنادها وتواترها، وإنما يراد بها وجه الاختيار، لماذا اختار القارئ لنفسه قراءة من بين القراءات الصحيحة المتواترة التي أتقنها؟ يكون هذا الوجه تعليلاً نحوياً حيناً ولغوياً حيناً ومعنوياً تارة ونقلياً تارة يراعي أخباراً أو أحاديث استأنس بها في اختياره"

وقبل الحديث عن صور إعجاز التوجيه سأعطي القارئ لمحة بسيطة عن تاريخه:

فعلم التوجيه والاحتجاج للقراءة نشأ منذ وقت مبكر يرجع إلى عصر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومما يدل على ذلك ماروي عن ابن عباس رضي عنهما (68هـ) أنه قرأ: (نُنْشِرُها) في قوله تعالى: (وانظُرْ إلى العِظَامِ كَيف نُنْشِزُها)، واحتج بقوله تعالى: (ثم إذا شَاءَ أَنْشَرَه)، وكأنه فسَّر آية البقرة بما في سورة عبس واستشهد للوجه الذي قرأ به في البقرة بالوجه المتفق على قراءته في عبس وهذا نوع من التوجيه للقراءة يبرز لنا الوجه الإعجازي للتوافق في القراءات وتصديق بعضها لبعض.
وانتقل هذا العلم إلى من بعد الصحابة رضوان الله عليهم من التابعين وتابعيهم من القراء المشهورين والأئمة الأعلام كأبي عمرو بن العلاء والكسائي ويعقوب الحضرمي وغيرهم ومن ذلك ماروي عن عاصم الجحدري (128هـ) أنه كان يقرأ (ملك يوم الدين) بغير ألف واحتج على من قرأها بألف (مالك) فقال: يلزمه أن يقرأ (قل أعوذ برب الناس مالك الناس)، قال هارون الأعور فذكرت ذلك لأبي عمرو فقال: نعم، أفلا يقرءون "فتعالى الله المالك الحق".
وهذه بدايات لتوجيهات فردية دون تدوين نهج أصحابها نهجاً لغوياً وإعرابياً أو استعانوا بقراءة على تخريج قراءة أخرى إلى أن ظهر التدوين المقصود بهذا العلم وكان على هيئة أراء تلحق بكتبهم كما فعل سيبويه (180هـ)، حيث أورد في كتابه الذي يسمونه (قرآن النحو) احتجاجات لقراءات مختلفة فمثلاً في قوله تعالى: (وإِنَّ هَذه أُمّتُكم أمَّةً واحدة ) ( ) في قراءة من فتح الهمزة من (وأنّ)، قال: "وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) فقال: إنما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون".
ثم بعد ذلك جاءت كتب صُنِّفَت في معاني القرآن وإعرابه وتفسيره، ككتاب: "معاني القرآن" ليحيى بن يزيد الفراء (ت207هـ)، ومعاني القرآن لسعيد بن مسعدة (الأخفش الأوسط) (ت215هـ)، ومعاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق الزجاج (ت311هـ)، ومعاني القرآن لأبي جعفر النحاس (ت338هـ)، وغيرها.
وقد قُصِد في هذه الكتب إلى التفسير اللغوي الذي اختلف القراء فيه وبيان وجه معناه وإعرابه
ثم بعد ذلك بدأ التدوين في علم التوجيه تدويناً يختلف عن السابق في كونه يتخصص في كتب مفردة لهذا الباب تذكر فيها القراءات وتوجيهها ومنها على سبيل المثال ما يلي:
1. وجوه القراءات لأبي عبد الله هارون بن موسى الأزدي الأعور (ت170هـ)، وهو أول من تتبع وجوه القراءات والشاذ منها.
2. الجامع لاختلاف وجوه القراءات، للإمام يعقوب الحضرمي، (ت205هـ)، جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات مع نسبة كل قراءة إلى قارئها.
3. احتجاج القراءة لأبي العباس محمد بن يزيد المبرِّد (ت258هـ).
4. احتجاج القرَّاء في القراءة لأبي بكر محمد بن السَّريِّ السراج النحوي، (ت316هـ).
5. القراءات بعللها، لأبي بكر محمد بن الحسن النقاش، (ت351هـ).
6. الانتصار لقراء الأمصار، لأبي بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم العطار النحوي (ت355هـ).
7. علل القراءات، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، (ت370هـ).
8. إعراب القراءات السبع وعللها، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه الهمذاني، (370هـ).
9. الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، (ت377هـ).
10. المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لأبي الفتح عثمان بن جني، (ت392هـ).
11. حجة القراءات لأبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، (ت403هـ).
12. الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، (ت437هـ).
13. شرح الهداية في القراءات السبع، لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي، (ت430هـ).
14. الموضح في وجوه القراءات وعللها، لأبي عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي المعروف بابن أبي مريم (ت565هـ).
15. إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشرة للشيخ أحمد بن محمد الدمياطي الشافعي الشهير بالبنا (ت1117هـ).

وطرائق التوجيه وأنواعة متعددة:
فمن خلال استعراض الطرائق التي ينطلق منها العلماء في التوجيه ممكن أن نخلص إلى أنواع بارزة ممكن أن جعلها أنواعاً للتوجيه وهي مايلي:

1-التوجيه والاحتجاج للقراءة بآيات قرءانية أخرى.
مثال ذلك ما ذكره مكي بن أبي طالب عند توجيهه لقوله تعالى: (خَلَقَ كُلَّ دَابَّة) ( )، حيث قال: "قرأه حمزة والكسائي "خَالِقُ"، بألف والرفع، و"كُل" بالخفض على إضافة "خالق"، إلى "كل"... دليله إجماعهم على قوله: (لا إله إلا هو خَالِقُ كل شيء فاعبدوه)، وقرأ الباقون: "خَلَق"، على الماضي ونصبوا: "كلاً" به ودليلهم إجماعهم على قوله: (ألم تر أنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض) .

2-التوجيه بالمعنى التفسيري، والاستدلال بأسباب النزول للآية.
مثال ذلك: ما ذكره ابن أبي مريم عند توجيه قوله تعالى: (وإذْ جَعَلْنا البيتَ مثابَةً للناسِ وأَمْنا واتخِذوا)
قال: وقرأ الباقون: (واتخِذوا) بكسر الخاء على الأمر، لما جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر، فلما أتيا على المقام، قال عمر: أهذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قال عمر: أفلا نتخذه مُصلَّى؟ فأنزل الله تعالى: (واتخِذوا من مقامِ إبراهيم مُصلَّى).

3-التوجيه والاحتجاج بقواعد النحو واللغة.
مثال ذلك: ما ذكره مكي عند توجيه قوله تعالى: (فَيغْفِرُ لمن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاء)
قال: "وحجة من جزم أنه عطفه على: (يحاسبكم)، الذي هو جواب الشرط، وحجة من رفع أن الفاء يستأنف ما بعدها فرفع على القطع مما قبله، إما أن يكون أضمر مبتدأ على تقدير: "فالله يغفر ويعذب"، ويجوز أن يكون الفعل مقدراً فتكون جملة معطوفة على فعل وفاعل على مثلها، والتقدير: "على هذا: فيغفر الله لمن يشاء ويعذب من يشاء".
4-التوجيه والاحتجاج برسم المصحف
مثال ذلك: ما ذكره السمين الحلبي عند توجيه قوله تعالى: (وقَالُوا اتخذ الله ولداً سبحنه)
قال: "والوجه في حَذْف هذه الواو: مُوَافقة رَسْم المصحف الشَّامي، فإنه في المصحف الشَّامي رُسِم: دون واو عاطفة، وفي مصاحف غيرهم: بإِثْبَاتها فَكُلٌ قد اتبع مصحفه"

والحديث عن أوجه الإعجاز في توجيه القراءات ينطلق من الختلاف في طرائق التوجيه

فمما لا بد أن يعلم أن كتب التوجيه اختلفت في بواعثها ودواعي تأليفها وإن لم يصرح بذلك مؤلفوها في مقدماتهم ولكن تدور البواعث حول: تعليل اختيار القارئ لها ببيان معاني القراءات وإيضاحها وشرحها، وإزالة توهم تضادها، وبيان صحتها، والكشف عن سلامتها، ورد من طعن فيها، أو شكك في ثبوتها.
ومن خلال النظر في اختلاف القراءات وتوجيهها يظهر إعجاز القرآن الكريم في ظهور التكامل المعاني والتكامل البياني والتنوع الجمالي للقراءات المتعددة وشموليتها لأكثر الأوجه اللغوية والنحوية ودفع التضاد أو الاختلاف بينها.
ثم لابد أن يعلم أنه لا اختلاف بين القراءات المتعددة إلا من جهة التنوع لا التضاد والتناقض، ثم ليس من المنهج الصحيح تفضيل قراءة متواترة على أخرى مثلها فكلها كلام الله عز وجل والمعاني التي تدل عليها معاني قرءانية لا تفاضل بينها.
وإن اختلاف التوجيه من قراءة إلى أخرى وما يمكن أن تحمله القراءة في اللفظة القرءانية الواحدة من معاني توجيهية تُظهر الإعجاز القرءاني وتثبت أن هذا الكتاب هو المعجزة الخالدة بحق والباقية إلى قيام الساعة، بل تثبت أن هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه ولا يقف عطاؤه،
يظهر وجه الإعجاز من خلال الجوانب التالية:
الجانب الأول: تكامل المعاني من خلال التوجيه ببيان المعنى.
الجانب الثاني: تكامل الأداء البياني من خلال التوجيه بسياق الكلام وتغير الخطاب.
الجانب الثالث: التنوع الجمالي من خلال التوجيه باللغات واللهجات.
الجانب الرابع: الشمولية لأكثر أوجه النحو والتصريف والبلاغة، من خلال التوجيه بالقياس اللغوي.

البحث للدكتور ناصر القثامي