أثر الصيغة الصرفية في توجيه القراءات القرآنية


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمَّد، خيرِ الخَلق، وخاتم المرسَلين، وعلى آله وصحبه، والتَّابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

وبعد:
الصِّيغ الصَّرفية قوالبُ استنبطها الصَّرفيُّون؛ ليَصبُّوا فيه المادة اللُّغوية التي يُعبِّرون بها عمَّا يجول في أفكارهم من معانٍ محدَّدة، ومن الثابت أنَّ هذه القوالبَ إنَّما تقتصر على بعض أقسام الكلم، كالأسماء والأفعال دونَ غيرها كالحروف.

فقد حدَّد الصَّرفيُّون للأسماء صِيغًا محدَّدة، باعتبار مجرَّدها ومزيدها، فالاسم المجرَّد: إمَّا ثلاثي، أو رباعي، أو خماسي.

فالثلاثي جعلوا له اثنتي عشرة صيغة؛ حيث يكون مفتوحَ الأول، أو مكسورَه، أو مضمومَه؛ ويكون ثانيه ساكنًا، أو مفتوحًا، أو مكسورًا، أو مضمومًا؛ فيكون حاصل ضرب ثلاثةِ أحوال الأُولى في أربعةِ أحوال الثَّاني اثتني عشرة صيغةً، وأمثلتها كالتَّالي:
(فَعْل) كَفَلْس، (فَعَل) كَفَرَس، (فَعِل) كَكَتِف، (فَعُل) كَعَضُد؛ (فِعْل) كحِبْر، (فِعَل) كِعنَب، (فِعِل) كإِبِل، (فِعُل) كَحِبُك، (فُعْل) كَقُفْل، (فُعَل) كصُرَد، (فُعِل) كَدُئِل، (فُعُل) كعُنُق.

وجعلوا للرُّباعي ستَّ صيغ هي: (فَعْلَل) كَجَعْفَر، (فِعْلِل) كزِبْرِج، (فِعْلَل) كدِرْهَم، (فُعْلُل) كبُرْثُن، (فِعَلّ) كَهِزَبْر وقِمَطْر، (فُعْلُل) كَطُحْلُب.

وجعلوا للخُماسي أربعَ صيغ هي: (فَعَلَّل) كسَفَرْجَل، (فَعْلَلِل) كجَحْمَرِش، (فُعَلِّل) كجُزَعْبِل، (فُعْلَلّ) كقُرْطَعْب.

كما وضعوا أيضًا صيغًا محدَّدة للمصدر، واسم الزَّمان واسم المكان، واسم المرَّة، واسم الهيئة، واسم الآلة؛ فوضعوا لاسمي الزَّمان المكان (مَفْعَل) كمَطلَع ومَخرَج، و(مَفْعِل) كَمَنزِل؛ ولاسم المرَّة (فَعْلَة)، ولاسم الهيئة (فِعْلَة)؛ أمَّا المصدر، واسم الآلة فمختلف فيهما، ووضعوا للمشتقات كاسم الفاعل، واسم المفعول، وصيغ المبالغة، والصِّفة المشبَّهة، واسم التَّفضيل - صِيَغًا محدَّدة معروفة.

كذلك وضعوا للأفعال صيغًا محدَّدة باعتبارها مجرَّدة، أو مزيدًا فيها بحرف أو حرفين أو ثلاثة أحرف؛ على أساس أنَّ هذه الأحرفَ الزائدة لواصقُ تدل على معانٍ صرفيَّة مُعيَّنة، تختلف عما يؤدِّيه الفعل المجرَّد
[1].

ممَّا تقدَّم يمكننا تعريف الصِّيغة الصَّرفية بأنَّها: "قوالب لمجموعة لا حصر لها من الألفاظ التي تَرِدُ على ألسنة المتكلِّمين العرب"؛ بمعنى: أنَّهم ينطقون الألفاظَ، ولا ينطقون القوالب؛ إذ إنَّ هذه القوالبَ أو الصيغ تُعدُّ سياجًا، وصمامَ أمان لِمَا ينطقه العرب، من حيثُ الصِّحةُ والسَّلامة.

ولا ريبَ أنَّ هناك فرقًا واضحًا بين الصِّيغة الصَّرفيَّة، والميزان الصَّرفي؛ إذ إنَّ الألفاظ المنطوقة قد تُخضعها ظروف القواعد التي تحكم نظامَ تأليف الأصوات، وتجاورها في النطق، إلى مغايرة بِنْية الصِّيغة التي وُضعت لها، تَبعًا لظواهر الإعلال أو الإبدال، أو النَّقل أو الحذف؛ وحينما يخضع اللَّفظ لمغايرة بِنْية الصِّيغة، لا يكون بينهما التَّوازي المتوقَّع من حيثُ عددُ الحروف، ونسق الحركات، فلو أردنا أن تُقابل أصوات اللَّفظة الصَّحيحة بحروف البِنْية، وأصوات حركاتها وسكناتها بحروف وحركات وسكنات البنية - لتوصَّلْنا إلى تصوير هيكل اللَّفظ تصويرًا قد يختلف عن صُورة بِنْية الصيغة.

مثال ذلك:
أنَّ صيغة الأمر من باب (ضَرَب) - أي: فَعَل، يَفْعِل -: هي (اضْرِبْ)، ولكنَّنا إذا أخذنا الفعل (وَقَى)، وهو من أفعال هذا الباب، وأردنا أن نصوغ الأمر منه، لوجدنا أنه (قِ)، فإذا أردنا أن نقابل هذا الحرف الوحيد الباقي من هذا الفعل بنظيره في الصيغة (افْعِل)، لوجدنا أن ما يقف بإزائه من حروف الصيغة هو الحرف (عِ)، وحينئذ نرى أنَّ الصَّيغة الموضوعة للأمر لم يبقَ منها إلاَّ الحرف (عِ) فقط.

مما تقدَّم يتضح أنَّ الصيغة الصَّرفية هي مبنى صرفي، يُمثل القوالب التي يَصبُّ فيها المتكلِّمون المادةَ اللُّغوية؛ ليَدلُّوا بها على معانٍ معينة ومحددة لما يدور بِخَلَدهم، ويجول في أذهانهم وأفكارهم.

أمَّا الميزان الصَّرفي، فهو مبنًى صوتيٌّ يُناط به أمرُ بيان الصُّورة الصَّوتية النِّهائيَّة، التي آلت إليها المادَّة اللغوية
[2].

ولَمَّا كانتِ الصِّيغة الصَّرفية الواحدة صالحةً لأنْ يأتيَ عليها أكثر من اسم واحد؛ كالمصدر، واسم المفعول من غير الثلاثي، واسم الزَّمان، واسم المكان، والمبالغة؛ فقد يختلف توجيه القراءات القرآنية تبعًا لتوجيه القارئ للصِّيغة الصرفيَّة، مما يتولَّد عنه اختلافٌ في تفسير النصِّ القرآني، والذَّهاب به إلى تفسيرٍ قد يخالف المعنى المراد منه، كما يتولَّد عنه اختلافٌ في إعراب الجملة التي منها الصِّيغة؛ مثال ذلك
- قول الله تعالى: {يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المْفَرُّ**
[3]:

قرأها الجمهور (المَفَر) بفتح الميم والفاء على أنَّها مصدر، وعليه يكون المعنى: أين الفِرار؟

وقرأها ابن عباس، وعِكرمة، وأيوب السختياني، والحسن البصري (المَفِر) بفتح الميم، وكسر الفاء، على أنَّها ظرفُ مكان، وعليه يكون المعنى:
إلى أين الفِرَار؟

وقرأها الزهري (المِفَر) بكسر الميم وفتح الفاء، على أنَّها صيغة مبالغة نحو قولهم: رجل مِطَعْن ومِضَرْب؛ أي: مِطعان ومِضراب؛ كما في قول امرئ القيس:


مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ


والمعنى حينئذ: أين الإنسان الجيد الفِرار، ولن ينجوَ مع ذلك؛ أي: ليس هناك مطمع في الحياة[4].

- قول الله تعالى: {وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا**
[5]:

قرأها حفص عن عاصم (مَهْلِكِهم) بفتح الميم وكسر اللام، على أنَّها مصدر بمعنى: إهلاكهم، وعليه يكون المعنى: وجعلنا لإهلاكهم موعدًا، وقد يراد بها اسم الزَّمان، وحينئذ يكون المعنى: جعلنا لزمن إهلاكهم موعدًا.

وقرأها أبو بكر (مَهْلَكِهم)، بفتح الميم واللام، على أنَّها مصدر؛ نحو: مَطْلَع، ومَدْخَل، ومَخْرَج؛ والمعنى حينئذ: جعلنا لهلاكهم موعدًا.

وقرأها الجمهور: {مُهْلَكِهِمْ**، بضم الميم وفتح اللام، على أنَّها مصدر بمعنى: الإهلاك نحو: مُدْخَل، ومُخْرَج؛ وقد يراد بها اسم المفعول بمعنى: مَنْ أُهْلِكَ، أو ما أُهْلِكَ منها، والمعنى حينئذ: وجعلنا لِمَن أُهلِك موعدًا
[6].

- قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ**
[7].

قرأها الجمهور: (خَسِرَ) بصيغة الماضي، فتكون جملة: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ** بدلاً من جملة: {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ**، كأنه قال: وإن أصابته فتنةٌ خسر الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ**
[8]؛ لأن مضاعفة العذاب هي لُقى العذاب.

وقرأها مجاهد، وحميد بن قيس: (خاسِر)، بصيغة اسم الفاعل، وعليه تكون جملة (خاسر الدنيا والآخرة) منصوبة على الحال؛ أي: انقلب على وجهه خاسرًا
[9].

- قول الله – تعالى -: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى**
[10].

قرأها الجمهور: {لا يَأْتَلِ** بزنة (يَفْتَعِلْ)؛ أي: لا يقصر من: ما أَلَوت في كذا؛ أي: وقرأها عياش، وأبو جعفر، وزيد بن أسلم: (لاَ يَتَأَلَّ) بزنة (يَتَفَعَّلْ)؛ أي: لا يحلف، من: تألَّيت على كذا، إذا حلفت، أنشد الأصمعي:


قُلْتَ تعلّقْ فَيْلَقًا هَوْجَلا عَجاجَةً هَجاجَةً تَأَلَّى
لأُصْبِحَنَّ الأَحْقَرَ الأَذَلاَّ

أي: لا يحلف أولوا الفضل منكم والسَّعة ألاَّ يؤتوا أولي القربى[11].

خاتمة:
ومما تقدَّم - وغيره كثير - رأينا اختلافًا في توجيهات القراءات القرآنية تبعًا لاختلاف نظرة القُرَّاء والمفسِّرين إلى الصيغ الصرفية الواردة في النُّصوص القرآنية، مما قد يؤدي إلى مجانبة المعنى المراد، أو الاتفاق معه، أو الخروج بالنَّصِّ إلى إعرابات تخالف الإعراب المجمع عليه.

ومِن الله الفَضْل والمنَّة.
ـــــــــــــــــــــ

[1]شرح الشافية: (1/ 43).
[2]اللغة العربية: معناها، ومبناها، 145.
[3] [القيامة: 10].
[4]المحتسب، (2/ 342).
[5] [الكهف: 56].
[6]الكشف: (2/ 65)، التبيان: (2/ 853).
[7] [الحج: 11].
[8] [الفرقان: 68، 69].
[9]المحتسب: (2/ 75).
[10] [النور: 22].
[11]المحتسب: (2/ 106).

منقول