الحرفين (لَوْ) و(إنْ) من أدوات الشرط. وأداة الشرط تربط بين جملتين، تسمى الأولى: جملة الشرط. وتسمى الثانية: جملة جواب الشرط.
فأما (لو) فإنها تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط؛ كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً** [التوبة:46] وهي -أي (لو)- أداة غير جازمة للفعل المضارع بعدها سواء كان فعل الشرط أو جوابه.
أما (إن) فهي من الأدوات الجازمة لفعلين هما: فعل الشرط وجوابه، ذلك طبعاً إذا كان الفعلان مضارعين، كما في قوله تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ** [التغابن:17].
ثم اعلم أن حذف جواب الشرط جائز في اللغة العربية، وبخاصة إذا كان معلوماً أو دلّ عليه شيء قبله أو بعده، والقرآن الكريم نزل باللغة العربية وتضمّن من أسلوب حذف جواب الشرط مواضع كثيرة منها على سبيل المثال قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً** [الرعد:31]. وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن.
والآن انظر حذف جواب الشرط فيما يلي:
1. قال تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون** [العنكبوت:41]. فالواضح أن وهن بيت العنكبوت غير متعلق بعلمهم؛ إذ هو كذلك علموا أم لم يعلموا. ولهذا فجواب الشرط محذوف وتقديره: أنهم لو كانوا يعلمون لما اتخذوا أنداداً من دون الله: فمن فعل ذلك كان كمن اتخذ بيتاً كبيت العنكبوت. وهو المعروف بأنه لا يستر ما فيه ولا يحميه من حرٍّ أو برْد، ولا يقاوم رياحاً، ولا يأمن ساكنه.. وكذلك كل من ركن إلى غير الله فهو عارٍ مكشوف لا يشعر بالأمان لا حِسّاً ولا معنى.
وشاهدُنا: أن الوقف على ما قبل (لو) -أي على لفظ (العنكبوت)- هو من أنواع الوقف التام؛ حتى لا يُفهم أن ما قبل (لو) هو جواب لها. وهكذا في كل ما يشبهه كقوله تعالى: {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون** [النحل:41]. فالوقف على لفظ (أكبر) هو وقف تام. وقوله تعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُون** [التوبة:81]. فالوقف على لفظ (حرّاً) أيضاً هو وقف تام، إذ به أفاد عامة المفسرين، وذكره الأشموني في "منار الهدى" صفحة (125).
وأما (إن) الشرطية وهي -كما ذكرنا - تجزم فعلين أحدهما فعل الشرط والآخر جواب الشرط، ويجوز حذف الجواب في اللغة كما هو كذلك في القرآن الكريم؛ إذ هو {بلسانٍ عربي مبين**، فالقول فيها كما قلنا في (لو) أي الوقوف على ما قبلها هو وقف تام، ذلك في حال حذف الجواب كما في الآيات الكريمة التالية:
1. قوله تعالى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِين** [الشعراء:24].
2. قوله تعالى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِين** [الدخان:7].
3. قوله تعالى: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون** [الشعراء:28].
ففي هذه الآيات الكريمات وأشباهها يكون الوقف على ما قبل (إنْ) الشرطية المحذوف جوابها هو من الوقف التام؛ إذ المفهوم الواضح والأكيد أن ربوبيته سبحانه غير متوقفة على ما يوقنون أو يعقلون؛ فهو رب السماوات والأرض ورب المشرق والمغرب، سواء عقلوا أم لم يعقلوا.
[انظر: مفاتيح الغيب للفخر الرازي (12/112) وتفسير النسفي (4/361) وتفسير الخازن (4/360) والنحاس في "الإعراب" (3/178)].