+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22

الموضوع: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    benefit.gif في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل السلام وأتم التسليم
    إن القرآن كلام الله الذي أنزله ليعمل به ويكون منهاج حياة للناس، ولا شك أن قراءة القرآن قربة وطاعة من أحب الطاعات إلى الله، لكن مما لا شك فيه أيضا أن القراءة بغير فهم ولا تدبر ليست هي المقصودة، بل المقصود الأكبر أن يقوم القارئ بتحديق ناظر قلبه إلى معاني القرآن وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وإجالة الخاطر في أسراره وحِكَمه.
    القرآن يدعونا إلى التدبر:
    إن الله دعانا لتدبر كتابه وتأمل معانيه وأسراره: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) [ص:29].
    وقد نعى القرآن على أولئك الذين لا يتدبرون القرآن ولا يستنبطون معانيه: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء:82، 83].
    الناس عند سماع القرآن أنواع:
    قال تعالى في آياته المشهودة: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:36، 37].
    قال ابن القيم – رحمه الله -: "الناسُ ثلاثةٌ: رجلٌ قلبُه ميتٌ، فذلك الذي لا قلبَ له، فهذا ليست الآية ذكرى في حقه.
    الثاني: رجلٌ له قلب حيٌّ مستعدٌّ، لكنه غير مستمعٍ للآيات المتلُوةِ، التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة، إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه وقلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصُلُ له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه.
    والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تُليت عليه الآيات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع، وأحضر قلبه، ولم يشغلْه بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقي السَّمع، فهذا القِسمُ هو الذي ينتفع بالآيات المتلوَّة والمشهودة.
    فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يُبصر.
    والثاني: بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه.
    والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البُعد والقربِ، فهذا هو الذي يراه.
    فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصدور.
    فاعلم أن الرجل قد يكونُ له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يُوقعه على التذكُّر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور، وهؤلاء أكملُ خلق الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتى كأنَّ الذي أخبرهم به الرسول مشاهدٌ لهم، لكن لم يشعُرُوا بتفاصيله وأنواعه، حتى قيل: إن مثل حالِ الصِّدِّيق مع النبي صلى الله عليه وسلم، كمثل رجلين دخلا دارًا، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئيَّاته، والآخر وقعت يدُهُ على ما في الدار ولم ير تفاصيلَهُ ولا جُزئياته، لكن علم أن فيها أمورًا عظيمة، لم يدرك بصره تفاصيلها، ثم خرجا فسأله عمَّا رأى في الدار، فجعل كُلما أخبره بشيء صدَّقهن لما عنده من شواهد، وهذه أعلى الدرجات الصديقية، ولا تستبعد أن يَمُنَّ الله المنان على عبدٍ بمثل هذا الإيمان، فإن فضل الله لا يدخل تحت حصرٍ ولا حُسبان.
    فصاحبُ هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نورٌ من البصيرة، ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبُهُ ولم يغب حصل له التذكُّرُ أيضًا: (فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) [البقرة:265]، والوابلُ والطَّلُّ في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها. وأهل الجنة سابقون مقرَّبون وأصحابُ يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما.
    الرسول صلى الله عليه وسلم يتدبر القرآن:
    عن حذيفة رضي الله عنه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة؛ فمضى. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ". [مسلم].
    وبكى صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه ابن مسعود من سورة النساء قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء:41] فهل تتوقع أن يكون ذلك من غير تدبر؟
    وكان يدعو الأمة إلى التدبر وفهم معاني القرآن، فحين نزل قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:190، 191]. قال صلى الله عليه وسلم: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها".
    السلف الصالح يتدبرون القرآن:
    كان ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: "ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".
    وكان الفضيل – رحمه الله – يقول: "إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً. قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".
    وعمليًا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن؛ بل القراءة بتدبر وتفهم.. عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: "لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ(إذا زلزلت) و(القارعة) لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أَهُذَّ القرآن (أي أقرأه بسرعة)".
    من ثمار التدبر:
    اعلم رعاك الله أن العبد إذا وفق لتدبر آيات الله تعالى فاز بالخير العميم، يقول ابن القيم – رحمه الله -:
    "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته: من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ في يده(تضع) مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة. وتثبت قواعد الإيمان في قلبه. وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم. وتبصره مواقع العبر. وتشهده عدل الله وفضله. وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها. وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه.
    وبالجملة تعرِّفُهُ الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
    وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.
    فهذه ..أمور ضروري للعبد معرفتها. ومشاهدتها ومطالعتها. فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها. وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم. فتريه الحق حقا، والباطل باطلا. وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال. والغي والرشاد. وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا. فيصبر في شأن والناس في شأن آخر.
    فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما ينزه عنه من سمات النقص، وعلى الإيمان بالرسل، وذكر براهين صدقهم، وأدلة صحة نبوتهم. والتعريف بحقوقهم، وحقوق مرسلهم. وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي، وما يختص بالنوع الإنساني منهم، من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه. وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق، التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص. وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل، التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح. وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه. وعلى تفاصيل الأمر والنهي، والشرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات، في خلقه وأمره.
    فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل. وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل. وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل. وتبصره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل. وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل. وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل. وتناديه كلما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدم الركب وفاتك الدليل. فاللحاق اللحاق، والرحيل الرحيل. وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل. وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو، أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر! فاعتصم بالله، واستعن به، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
    وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه، أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد.


    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 1/ رمضان / 1435 هـ

    النداء الأول في كتاب الله عز وجل
    قوله سبحانه وتعالى ( يا أيها الناس اعبدوا )قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها يا أيها الناس فإنما نزلت بمكة ، وكل آية أولها يا أيها الذين آمنوا فإنما نزلت بالمدينة . قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يا أيها الناس . وأما قولهما في يا أيها الذين آمنوا فصحيح . وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة ، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة . وهذا واضح . و " يا " في قوله : يا أيها - حرف نداء . " أي " منادى مفرد مبني على الضم ; لأنه منادى في اللفظ ، و " ها " للتنبيه . " الناس " مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين ، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل . وقيل : ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد ، وجاءوا ب " ها " عوضا عن ياء أخرى ، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ب " ها " حتى يبقى الكلام متصلا . قال سيبويه : كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما ، كما قالوا : ها هو ذا . وقيل : لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرد عن حرف تعريف ، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء ، والتزموا رفعه ; لأنه المقصود بالنداء ، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادى ، فاعلمه .

    واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما : الكفار الذين لم يعبدوه ، يدل عليه قوله (
    وإن كنتم في ريب) الثاني : أنه عام في جميع الناس ، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة ، وللكافرين بابتدائها . وهذا حسن .

    قوله تعالى : " اعبدوا " أمر بالعبادة له . والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه . وأصل العبادة الخضوع والتذلل ، يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام .

    [ ص: 217 ] قال طرفة :

    وظيفا وظيفا فوق مور معبد
    والعبادة : الطاعة . والتعبد : التنسك . وعبدت فلانا : اتخذته عبدا .
    تفسير القرطبي

    *************************

    القول في تأويل قول الله تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم )

    قال أبو جعفر : فأمر جل ثناؤه الفريقين - اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء عليهم أأنذروا أم لم ينذروا أنهم لا يؤمنون ، لطبعه على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله : آمنا بالله وباليوم الآخر ، مع استبطانه خلاف ذلك ، ومرض قلبه وشكه في حقيقة ما يبدي من ذلك ، وغيرهم من سائر خلقه المكلفين بالاستكانة ، والخضوع له بالطاعة ، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة . لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم ، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم . فقال لهم جل ذكره : فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم ، وهو يقدر على ضركم ونفعكم ، أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر .

    وكان ابن عباس : فيما روي لنا عنه ، يقول في ذلك نظير ما قلنا فيه ، غير أنه ذكر عنه أنه كان يقول في معنى "
    اعبدوا ربكم " : وحدوا ربكم . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى العبادة : الخضوع لله بالطاعة ، [ ص: 363 ] والتذلل له بالاستكانة . والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله - بقوله في تأويل قوله : " اعبدوا ربكم " وحدوه ، أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه .

    472 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله : "
    يا أيها الناس اعبدوا ربكم " للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين ، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم .

    473 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن
    السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " يقول : خلقكم وخلق الذين من قبلكم .

    قال أبو جعفر : وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز ، إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه . وذلك أن الله أمر من وصفنا ، بعبادته والتوبة من كفره ، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون ، وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون .

    تفسير الطبري


    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 2/ رمضان / 1435 هـ


    في رحاب آية {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّ اع إذا دعان**


    دعوة القرآن إلى الدعاء والحث عليه وردت في مواضع عديدة من كتاب الله، نختار منها قوله - تعالى -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (** (البقرة: 186) وقوله - سبحانه -: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية** (الأعراف: 55) وقوله - جلا وعلا -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم** (غافر: 60) وغير ذلك من الآيات الداعية إلى الدعاء.
    والدعاء من جهة اللغة يطلق على سؤال العبد من الله حاجته، ويطلق من جهة الشرع على معان عدة، منها العبادة، وعلى هذا فُسر قوله - تعالى -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم** أي: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني؛ وعن ثابت، قال: قلت لأنس - رضي الله عنه -: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها.
    وإذا كان الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، فإن العبادة أيضًا هي الدعاء، إذ لا تخلو عبادة من الدعاء، ولكن ما نريد إدارة الحديث حوله هنا، هو أهمية الدعاء بمعناه الأصلي واللغوي، ونقصد بذلك توجه العباد إلى الله - تعالى -طلبًا لقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهو أمر يكاد يغفل عنه كثير من المسلمين، مع ندب الشرع إليه، وشدة احتياجهم إليه.
    فمن فضل الله- تبارك وتعالى - وكرمه أن ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ ففي الحديث: (يقول الله - تعالى -: {أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني** [رواه مسلم]. وفي حديث آخر: {إن الله - تعالى -ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين** [رواه أحمد].
    ويلاحظ أن طلب الدعاء في الخطاب القرآني جاء مقرونًا ومرتبًا عليه الإجابة؛ فالعلاقة بينهما علاقة السبب بالمسبَّب، والشرط بالمشروط، والعلة بالمعلول، فليس على العبد إلا الالتجاء إلى الله - بعد الأخذ بالأسباب - وطلب العون منه في كل عسر ويسر، وفي المنشط والمكره، ووقت الفرج ووقت الكرب؛ ففي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما إن يدخر له، وإما إن يكف عنه من السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر) [رواه أحمد].
    وعن أبى هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) [رواه البخاري ومسلم].
    قال السدي في تفسير قوله - تعالى -: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع** ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروها.
    ولسائل أن يسأل: فما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ وفي الجواب على هذا نختار ما أجاب به القرطبي عن هذا الإشكال، إذ قال - رحمه الله -: الجواب أن يُعْلَم أن قوله الحق في الآيتين {أُجيب** و{أستجب** لا يقتضي الاستجابة مطلقًا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا - تبارك وتعالى - في آية أخرى: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين** (الأعراف: 55) وكل مصر على كبيرة عالمًا بها أو جاهلاً فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين، فكيف يُستجاب له؛ وأنواع الاعتداء كثيرة.
    ويمكن أن يقال أيضًا: إن إجابته - سبحانه - متعلقة بإرادته، فيجيب لمن يشاء من عباده، ويُعْرِض عمن يشاء، لحكمة يريدها الله، يؤيد هذا قوله - تعالى -: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء** (الأنعام: 41) والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
    إذا تبين هذا كان من اللازم القول: يمنع من إجابة الدعاء موانع لا بد من مراعاتها والتحفظ منها؛ وهي على العموم فعل كل ما لا يرضي الله - سبحانه -، كأكل الحرام وما كان في معناه، وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر (...الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب** وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من كانت هذه صفته؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي أن يكون عالماً أنه لا قادر على قضاء حاجته إلا الله، وأن يدعو بنية صادقة وقلب حاضر، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. وغير ذلك من الشروط التي فصل العلماء القول فيها.
    والذي نخرج به مما تقدم، أن أمر الدعاء في حياة المسلم لا ينبغي أن يُقَلِّل من شأنه، ولا أن يحرم المسلم نفسه من هذا الخير الذي أكرمه الله به، والمسلم حريص على الخير، أولم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (واحرص على ما ينفعك) وتأمل في قوله - عليه الصلاة والسلام -: (احرص) ليتبين لك قيمة هذا الهدي النبوي. ولا شك فإن النفع كل النفع في الدعاء، وخاصة إذا استوفى أسبابه؛ ولعل فيما خُتمت فيه آية البقرة: {لعلهم يرشدون** ما يؤكد هذا المعنى؛ كما أنَّ فيما خُتمت به آية غافر: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين** ما يشد من أزر هذا المعنى، والله أعلم.
    اللهم وفقنا لكل خير، وافتح لنا أبواب الدعاء إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 3/ رمضان / 1435 هـ
    في رحاب آية ..


    قال تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:274)


    .من فوائد الشعراوي في الآية:
    قال رحمه الله:
    {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (274)**.
    إن المسألة في الإنفاق تقتضي أمرين: إما أن تنفق سرًا، وإما أن تنفق علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال في أمرين: الليل والنهار فإياك أن تحجز عطية تريد أن تعطيها وتقول: بالنهار أفعل أو في الليل أفعل؛ لأنه أفضل وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلًا أو نهارًا، ومسألة الليلية والنهارية في الزمن، ومسألة السرية والعلنية في الكيفية لا مدخل لها في إخلاص النية في العطاء.
    {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم** أقالت الآية: الذين ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلًا ونهارًا وقال: {سرا وعلانية** فأنفق أنت ليلًا، وأنفق أنت نهارا، وأنفق أنت سرًا، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، لا بزمن ولا بكيفية ولا بحال. إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلًا ونهارا، واستوعب أيضًا الكيفية التي يكون عليها الإنفاق سرًا وعلانية ليشيع الإنفاق في كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن هؤلاء: {فلهم أجرهم عند ربهم** وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلًا أو نهارًا، سرًا أو علانية.
    وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت في مناسبة خاصة، وهي أن الإمام عليا كرم الله وجهه ورضى عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهارًا، وتصدق بواحد ليلا، وتصدق بواحد سرًا، وتصدق بواحد علانية، فنزلت الآية في هذا الموقف، إلا أن قول الله: فلهم يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل.
    وقول الله:
    {فلهم أجرهم عند ربهم** هنا نجد أن كلمة أجر تعطينا لمحة في موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشيء، وفي أجر لعمل. فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا، هذا المجهود قد ينشأ عنه مثمن، أي شيء له ثمن، فقول الله: {فلهم أجرهم عند ربهم** يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه.
    إن الله لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته؛ وطاقاته وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأي شيء يملكه الإنسان في هذا كله؟ لا الفكر الذي يخطط، ولا الطاقة التي تفعل، ولا المادة التي تنفعل؛ فكلها لله. إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لأنك تعمل فكرا مخلوقا لله، بطاقة مخلوقة لله، في مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوي لك في الخلق هو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهي من المخلوق المساوي ثمن، وهي من الخالق الأعلى أجر؛ لأنك لا تملك شيئا في كل ذلك.
    وبعد ذلك يقول الحق:
    {و لا خوف عليهم ولا هم يحزنون** والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ {ولا خوف عليهم** ممن؟
    يجوز أن يكون
    {ولا خوف عليهم** من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف؛ لأن هذا في حاله، وهذا في حاله. أو {لا خوف عليهم** من غيرهم، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم. لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى. إذن ف {لا خوف عليهم** لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: {ولا هم يحزنون** أي لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون.
    ***********************************



    تفسير الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى


    قوله تعالى: { الذين ** مبتدأ؛ وجملة: { فلهم أجرهم ** خبر المبتدأ؛ واقترنت بالفاء لمشابهة المبتدأ بالشرط في العموم؛ لأن المبتدأ هنا اسم موصول؛ واسم الموصول يشبه الشرط في العموم.

    قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم ** يحتمل أن يراد بـ «الأموال» هنا كل الأموال؛ ويحتمل أن يراد الجنس فيشمل الكل، والبعض.

    قوله تعالى: { بالليل والنهار **؛ الباء هنا للظرفية، وفيه عموم الزمن؛ وقوله تعالى: { سراً وعلانية ** فيه عموم الأحوال؛ أي على كل حال، وفي كل زمان؛ و{ سراً ** أي خفاءً؛ وهو مفعول مطلق لـ{ ينفقون **؛ يعني إنفاقاً سراً، و{ علانية ** أي جهراً.

    قوله تعالى: { فلهم أجرهم عند ربهم ** أي ثوابهم عند الله؛ وسمي أجراً؛ لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوَّض فيه العامل على عمله؛ وهذا الأجر قد بُين فيما سبق بأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء** [البقرة: 261] .

    قوله تعالى: { ولا خوف عليهم ** أي فيما يستقبل؛ { ولا هم يحزنون ** أي فيما مضى؛ فهم لا يحزنون على ما سبق؛ ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل؛ ولا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.

    الفوائد :

    1 - من فوائد الآية: الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلاً، أو نهاراً، أو سراً، أو جهاراً.

    2 - ومنها: كثرة ثوابهم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى: { فلهم أجرهم عند ربهم**؛ والثواب عند العظيم يكون عظيماً.

    3 - ومنها: أن الإنفاق يكون سبباً لشرح الصدر، وطرد الهم، والغم؛ لقوله تعالى: { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون **؛ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد أن ذلك من أسباب انشراح الصدر.

    4 - ومنها: كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه، أجراً لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم.

    5 - ومنها: كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله؛ وذلك لانتفاء الخوف، والحزن عنهم.
    *******************


    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 4/ رمضان / 1435 هـ
    في رحاب آية ..
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ**{فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ**.
    من فوائد الشعراوي في الآيتين:
    قال رحمه الله:
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ**.

    المسألة ليست ذلك فقط، المسألة أن المنافقين راحوا يُروجون إشاعات كاذبة بأن المشركين قد اسْتَدعوا عددا جديدا من كفار مكة وذلك ليخيفوا المؤمنين، فلم يخف مؤمن واحد
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ** وساعة ترى كلمة {الناس** فاعرف أن الإيمان بعيد عنها، وما داموا أناسا فهم يقابلون أناسا آخرين، ومن يغلب فهو يغلب بجهده وشطارته وحسن تصرفه، لكن المؤمن يقابل الكافر، والمؤمن يتلقى المدد من ربه.
    قيل: إن الشيطان قد يتمثل على هيئة حشد من الناس ليُرهب المؤمنين، والشيطان من عالم الجن، وعالم الجن يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، وقد أعطاه الله القدرة على أن يتشكل بما يُحب. فله أن يتشكل في إنسان، في حيوان، أو كما يريد، ولكن إذا تشكل فالصورة تحكمه لأنه ارتضى أن يخرج عن واقعه ليتشكل بهيئة أخرى، فإذا ما تشكل على هيئة إنسان، فقانون الإنسان يسري عليه، بحيث إن كان معك مسدس أو سيف أو خنجر وتمكنت منه وطعنته يموت. وهذا هو ما رحمنا من تخويفهم لنا.
    ولذلك تجد أن الشيطان يظهر لمحة خاطفة ثم يختفي، لأنه يخاف أن يكون الإنسان الذي أمامه واعيا بأن الصورة تحكمه، فعندما يتمثل لك بأي شكل تخنقه فيُخنق؛ لذلك يخاف من الإنسان، فلا يظهر إلا في لمحات خاطفة.
    ويمكن أن نفهم أيضا قول الحق:
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ** أن هناك بعضا من الكفار أشاعوا أن أبا سفيان وصحبه قد حشدوا حشودهم، فكلمة {جمعوا** تعطي إيحاء بأنهم جاءوا بمقاتلين آخرين، أو أن فلولهم قد تجمعت، وسواء هذا أو ذاك فهم عندما فروا فروا فلولا، لأن القوم المنهزمين لا يسيرون سيرا منتظما يجمعهم، بل يسير كل واحد منهم حسب سرعته، ويصح أن يتجمعوا ثانية، أو جاءوا بناس آخرين، ولنا أن نلحظ أن الأسلوب يحتمل كل ذلك.
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ** ومثل هذا القول قد يفت في عضد المؤمنين، لكن التمحيص الإيماني قد صقل معسكر الإيمان فلم يهتموا بهذا الكلام، وهكذا أثمر الدرس الأول، لقد تعلموا أن المخالفة عن أمر الله الممثل في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد المخالفة تجعل الضعف يسرى في النفس، لكن التثبت والتمسك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعزز الإحساس بالقوة؛ لذلك لم يأبهوا لهذا التهديد بل قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ** فلم يهتموا بالعدد وفهموا أن الإيمان يقتضي أن يقاتلوا الكافرين حتى يُعذبهم الله بأيديهم، وفي هذا درس لكل مُحارب، فعندما تحارب، فأنت إما أن تكون منصورا بإيمانك بالله وإما أن تكون على عكس ذلك: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ رَمَى** [الأنفال: 17].
    لقد فطنوا إلى أنفسهم، وتغير الترتيب الإيماني في أعماقهم، ونلمس ذلك في أن بعضا من الناس جاءوا يصدونهم ويخذلونهم، فلم يستطيعوا بل زادهم هذا القول إيمانا
    {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ**، لقد فطنوا إلى أن قوة الله هي التي تنصرهم والله حسبهم وكافيهم عن أي عدد من الأعداد وهو نعم الوكيل، ومعنى {الوكيل** أنني عندما أعجز عن أمر أُوَكِّلُ أحدا فهو وكيل عني، وعندما نوكل الله فيما عجزنا عنه فهو نعم الوكيل، لماذا؟ وتأتينا الإجابة: {فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ**، ولقد نصروا بالرعب الذي أنزله الله في قلوب أعدائهم ولم يشتبكوا مع الكفار، فصدق قول الله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ** [الأنفال: 12].
    ويأتي الحق من بعد ذلك بما يصدق القضية:
    {فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ**.
    وهذه القضية يجب أن يستشعرها كل مؤمن يتعرض لتمحيص الحق له، وعلى كل مسلم أن يتذكر تلك التجربة، تجربة أحُد، فليلة واحدة كانت هي الفارق بين يوم معركة أحُد ويوم الخروج لملاحقة الكفار في حمراء الأسد، ليلة واحدة كانت في حضانة الله وفي ذكر لتجربة التمحيص التي مر بها المؤمنون إنها قد فعلت العجب؛ لأنهم حينما طاردوا الكفار، لم يأبهوا لمحاولات الحرب النفسية التي شنها عليهم الأعداء، بل زادهم ذلك إيمانا وقالوا:
    {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ**.
    إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته. لقد عرفوا الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائما في حضانة ربه، وقد أخذ صحابة رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم.

    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل


    اليوم 5/ رمضان / 1435 ه
    في رحاب آية ..
    { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ** .
    تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي
    والفعل هنا: " يطع " والمطاع هو: الله والرسول، أي أن هذا الأمر تشريع الله مع تطبيق رسوله، أي بالكتاب والسنة، وساعة تجد الرسول معطوفاً على الحق بدون تكرير الفعل فاعلم أن المسألة واحدة.. أي ليس لكل واحد منهما أمر، بل هو أمر واحد، قول من الله وتطبيق من الرسول لأنه القدوة والأسوة؛ ولذلك يقول الحق في الفعل الواحد:
    { وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ **
    [التوبة: 74].


    فما أغناهم الله غنىً يناسبه وأغناهم الرسول غنىً يناسبه فالفعل هنا واحد. فالغنى هنا من الله ورسوله؛ لأن الرسول لا يعمل إلا بإذن ربه وامتثالا لأمره، فتكون المسألة واحدة.

    هناك قضية تعرض لها الكتاب وهي قضية قد تشغل كثيراً من الناس الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يُصد عنه قادم، يأتي فيجلس حيث ينتهي به المجلس، فالذي يريد النبي دائما يستمر في جلوسه، والذي يريد أن يراه كل فترة يأتي كلما أراد ذلك فثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه يوما ووجهه متغير وقد نحل وهزل جسمه، وعُرِف الحزن في وجهه، فسأله النبي قائلا: ما بك يا ثوبان؟ فقال والله ما بي مرض ولا علة، ولكني أحبك وأشتاق إليك، وقد علمت أني في الدنيا أراك وقتما أريد، لكنك في الآخرة ستذهب أنت في عليين مع النبيين، وإن دخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا.

    ونص الحديث كما رواه ابن جرير - بسنده - عن سعيد بن جبير قال: " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو محزون - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا فلان مالي أراك محزوناً "؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: " ما هو "؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا تُرفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً فأتاه جبريل بهذه الآية: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ".. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه فبشره.

    وكيف يأتى هذه على البال؟! إنه إنسان مشغول بمحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفكر: هل ستدوم له هذه النعمة؟ وتفكر في الجنة ومنازلها وكيف أن منزلة الرسول ستعلو كل المنازل.وثوبان يريد أن يطمئن على أن نعمة مشاهدته للنبي صلى الله عليه وسلم لن تنتهي ولن تزول منه، إنه يراه في الدنيا، وبعد ذلك ماذا يحدث في الآخرة: فإما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، إن لم يدخل الجنة فلن يراه أبداً. وإن دخل الجنة والنبي في مرتبة ومكانة عالية. فماذا يفعل؟

    انظر كيف يكون الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى يلطف بمثل هذا المحب الذي شغل ذهنه بأمر قد لا يطرأ على بال الكثيرين، فيقول الحق سبحانه وتعالى تطمينا لهؤلاء: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ ** أي المطيعون لله والرسول { مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً ** والمسألة جاءت خاصة بثوبان، بعد أن نبه الأذهان إلى قضية قد تشغل بال المحبين لرسول الله، فأنت مع من أحببت، ولكن الأمر لا يقتصر على ثوبان. لقد كان كلام ثوبان سبباً في الفتح والتطمين لكل الصديقين والشهداء والصالحين. وهي أصناف تستوعب كل المؤمنين، فأبو بكر الصديق صِدِّيقٌ لماذا؟ لأنه هو: المبالغ في تصديق كل ما يقوله سيدنا رسول الله، ولا يعرض هذا القول للنقاش أو للتساؤل: أي هذه تنفع أو لا تنفع؟ فعندما قالوا لسيدنا أبي بكر: إن صاحبك يدعى أنه أتى بيت المقدس وعاد في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل، ماذا قال أبو بكر؟قال: إن كان قال ذلك لقد صدق.

    لم يعلل صدقه إلا بـ " إن كان قد قال ذلك " ، فهذا هو الصديق الحق، فكلما قال محمد شيئا صدقه أبو بكر، وأبو بكر - رضوان الله عليه - لم ينتظر حتى ينزل القرآن مصدقا للرسول - صلى الله عليه وسلم - بل بمجرد أن قال صلى الله عليه وسلم: إني رسول. قال أبو بكر: نعم. إذن فهو صديق.

    لقد كانت هناك تمهيدات لأناس سَبَقوا إلى الإسلام؛ لأن أدلتهم على الإيمان سبقت بعثة الرسول، هم جربوا النبي عليه الصلاة والسلام، وعرفوه، فَلَمَّا تحدث بالرسالة، صدقوه على الفور؛ لأن التجارب السابقة والمقدمات دلت على أنه رسول، ومثال ذلك: سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - ماذا قالت عندما قال لها النبي: إنه يأتيني كذا وكذا وأخاف أن يكون هذا رَئِيّاً ومَسّاً من الجن يصيبني.

    فقالت خديجة: " كلا والله ما يُخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ". وهذا أول استنباط فقهي في الإسلام.

    هذا هو معنى " مع النبيين والصديقين " ، { وَٱلشُّهَدَآءِ ** هم الذين قتلوا في سبيل الله، لكن على المؤمن حين يقاتل في سبيل الله ألا يقول: أنا أريد أن أموت شهيداً. ويلقي بنفسه إلى التهلكة، إياك أن تفهمها هكذا، فأنت تدافع عن رسالة ولا بد أن تقاتل عدوك بدون أنك تمكنه من أن يقتلك؛ لأن تمكينه من قتلك، يفقد المسلمين مقاتلاً.فكما أن الشهداء لهم فضل؛ فالذين بقوا بدون استشهاد لهم فضل. فالإسلام يريد أدلة صدق على أن دعوته حق، وهذه لا يثبتها إلا الشهداء.

    لكن هل يمكن أن نصبح جميعاً شهداء؟ ومن يحمل منهج الله إلى الباقين؟ إذن فنحن نريد من يبقى ومن يذهب للحرب، فهذاله مهمة وهذا له مهمة، ولذلك كانت " التقية " وهي أن يظهر رغبته عن الإسلام ويوالي الكفار ظاهرا وقلبه مطئمن بالعداوة لهم انتظاراً لزوال المانع وذلك استبقاء لحياته كي يدافع ويجاهد في سبيل الله.؟ وسببها أن الإسلام يريد من يؤكد صدق اليقين في أن الإنسان إذا قتل في سبيل الله ذهب إلى حياة أفضل وإلى عيش خير، هذا يثبته الشهيد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى عندما تأتيهم غرغرة الشهادة يريهم ما هم مقبلون عليه، فيتلفظون بألفاظ يسمعها من لم يقبل على الشهادة؛ فهناك من يقول: هبي يا رياح الجنة، ويقول كلمة يتبين منها أن ينظر إلى الجنة كي يسمع من خلفه، ومفرد شهداء، إما شهيد وهو الذي قتل في سبيل الله، وإمّا هي جمع شاهد، فيكون الشهداء هم الذين يشهدون عند الله أنهم بلغوا من بعدهم كما شهد رسول الله أنه بلغهم.

    والمعاني كلها تدور حول معنى أن يشهد شيئاً يقول به وبذلك نعرف أننا نحتاج إلى الاثنين: من يقتل في سبيل الله، ومن يبقى بدون قتل في سبيل الله؛ لأن الأول يؤكد صدق اليقين بما يصير إليه الشهيد، والثاني يُعطينا بقاء تبليغ الدعوة فهو شاهد أيضاً:
    { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ **
    [البقرة: 143].


    و " الصالحين " والصالح هو المؤهل لأن يتحمل لأن يتحمل مهمة الخلافة الإيمانية في الأرض. فكل شيء يؤدي نفعاً يتركه على حاله، وإن أراد أن يزيد في النافع فليرق النفع منه، فمثلاً: الماء ينزل من السماء، وبعد ذلك يكون جداول، ويسير في الوديان، وتمتصه الأرض فيخرج عيوناً، فعندما يرى عيناً للمياه فهو يتركها ولا يردمها فيكون قد ترك الصالح على صلاحه، وهناك آخر يرقى النفع من تلك النعمة فيبني حولها كي يحافظ عليها. إذن فهذا قد أصلح بأن زاد في صلاحه.



    وهناك ثالث يقول: بدلاً من أن يأتي الناس من أماكنهم متعبين بدوابهم ليحملوا الماء في القِرَب أو على رءوس الحاملين، لماذا لا أستخدم العقل البشري في الارتقاء بخدمة الناس لينتقل الماء إلى الناس في أماكنهم، وهنا يصنع الصهاريج العالية ويصلها بمواسير وأنابيب إلى كل من يريد ماء فيفتح الصنبور ليجد ما يريد. ومن فعل ذلك يسَّر على الناس، فيكون مصلحاً بأن جاء إلى الصالح في ذاته فزاده صلاحاً.ويختم الحق الآية بقوله: { وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً **. و " أولئك " تعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا توجد رفقة أفضل من هذه، والرفيق هو: المرافق لك دائما في الإقامة وفي السفر، ولذلك يقولون: خذ الرفيق قبل الطريق، فقد تتعرض في الطريق لمتاعب وعراقيل؛ لأنك خرجت عن رتابة عادتك فخد الرفيق قبل الطريق. ونعرف أن الأصل في المسائل المعنوية: كلها منقولة من الحسيات، وفي يد الإنسان يوجد المرفق.. يقول الحق:
    { فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ **
    [المائدة: 6].


    وساعة يكون الواحد مرهقاً ورأسه متعباً يتكئ على مرفقه ليستريح، وساعة يريد أن ينام ولم يجد وسادة يتكئ على مرفقه أيضاً. إذن فالمادة كلها مأخوذة من الرفق، فالرفيق مأخوذ من الرفقو " المرافق " مأخوذة من الرفق لأنها ترفق بالجسم وتريحه، وفي كل بيت توجد المرافق وهي مكان إعداد الطعام وكذلك دورة المياه، وفي الريف تزيد المرافق ليوجد مكان لمبيت الحيوانات التي تخدم الفلاح، وبيوت الفقراء قد تكون حجرة واحدة فيها مكان للنوم، ومكان للأكل، وقد يربط الفقير حماره في زاوية من الحجرة، لكن عندما يكون ميسور الحال فهو يمد بيته بالمرافق المكتملة. أي يكون في المنزل مطبخ مستقل، ومحل لقضاء الحاجة، وحظيرة مستقلة للمواشي، وكذلك يكون هناك مخزن مستقل، وهذه كلها اسمها " مرافق " لأنها تريح كل الناس.

    إذن فقوله: " وحسن أولئك رفيقاً " مأخوذة من الرفق وهو: إدخال اليسر، والأنس، والراحة، ويكون هذا الإنسان الذي أطاع الله ورسوله بصحبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

    وقد يقول قائل: كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة؛ على الرغم من اختلاف أعمالهم في الدنيا، أليس الله هو القائل:
    { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ **
    [النجم: 39].


    ونقول: ما دام المؤمن أطاع الله وأطاع الرسول، أليس ذلك في سعيه؟ فهذه الطاعة والمحبة لله ولرسوله هي من سعي العبد؛ وعلى ذلك فلا تناقض بين الآيتين، لأن عمل الإنسان هو سعيه، ويصبح من حقه أن يكون في معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. وقد تكون الصحبة تكريما لهم جميعاً ليأنسوا بالصحبة، وهذه المسألة ستشرح لنا قوله:
    { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ **
    [الأعراف: 43].


    فساعة يرى واحد منزلته في الآخرة أعلى من آخر، إياك أن تظن أنه سيقول: منزلتي أعلى من هذا؛ لأنه ما دام قد ترك الأسباب في الدنيا وعاش مع مسبب الأسباب، فهو من حبه لله يحب كل من سمع كلام ربنا في الدنيا فيقول لكل محب لله: أنت تستحق منزلتك، ويفرح لمن منزلته أعلى منه.

    وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - لنفرض أن هناك فصلاً فيه تلاميذ كثيرة، بعضهم يحب أن ينجح فقط، وبعضهم يحب العلم لذات العلم، وعندما يجد عشاق العلم تلميذاً نجيباً، أيكرهونه أم يحبونه؟ إنهم يحبونه ويسألونه ويفرحون به ويقولون: هذا هو الأول علينا؛ لأنه لا يحب نفسه بل يحب الآخرين، فكذلك المؤمن الذي يكون في منزلة بالجنة ويرى غيره في منزلة أعلى، إياك أن تقول إن نفسه تتحرك عليه بالغيرة، لا.لأنه من حبه لربه وتقديره له يحب من كان طائعاً لله ويفرح له، مثله مثل التلميذ الذي ينال مرتبة عالية فيحب التفوق للآخرين من غير حقد. وهكذا نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لا تخدش قول الحق: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ **.

    وهناك بحث آخر في قوله الحق: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ **. فـ " اللام " تفيد الملك والحق، كقولنا: ليس لك عندي إلا كذا، أي أن هذا حقك، فقوله: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ ** أي هي حق للمؤمن وقد حددت العدل في الحق ولم تحدد الفضل، ولذلك قال بعدها: { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ... **.




    التعديل الأخير تم بواسطة راجـــ الفردوس ـــية ; 07-03-2014 الساعة 02:50 PM

    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 6/ رمضان / 1435 هـ
    في رحاب آية ..
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)**.
    من فوائد الشعراوي في الآية:
    قال رحمه الله:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)**.
    لقد أخرجنا من جَوٍّ صارمٍ وحديث في عقوبات إلى تقوى الله. والتقوى- كما نعرف- أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية.
    وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول:
    {اتقوا الله** هو بعينه الذي يقول «اتقوا النار»، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله. بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية. وإن قال قائل:
    إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائمًا في معيَّته. فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه. ومن عقابه النار.
    إذن فقوله الحق:
    {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله** أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده. وقوله سبحانه: {وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة** أي نبحث عن الوُصْلة التي تُوصّلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبّته. وها هناك وسيلة إلا ما شرَّعه الله سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرَّب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يُحبّه؟.
    وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يُحب فلان؟. فيقال له: فلان يُحب ربطات العنق؛ فيُهديه عددًا من ربطات العُنق. ويقال أيضًا: فلان يحب المسبحة الجيدة، فيحضر له مسبحة رائعة. إذن كل إنسان يتقرّب إلى أي كائن بما يُحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟. وما يُحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أَحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه».
    فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد، فيقول سبحانه في الحديث القدسي: «ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل».
    أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه، فلا ابتكار في العبادات. إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في «افعل» و«لاتفعل».
    والوسيلة عندنا أيضًا هي منزلة من منازل الجنة. والرسول صلّى الله عليه وسلم طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ فإنه من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة».

    {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ** ولنر الإيثار الإيماني الذي يريد الحق أن يُربّيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن مَحارِمه، وابتغاء الوسيلة إلى الله في اتباع أوامرِه.
    إن الدِّين لم يأتِكَ من أَجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح كاملًا إلا أن تُحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيدًا على أن يكون ذلك لإخوانك أيضًا. وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك. ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله. وهكذا تتّسع الهِمَّةُ الإيمانية، فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن. ولذلك يضع لنا الحق الطريق المستقيم ويوضحه ويبيّنه لنا.
    وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بان لله نعيمًا وجزاءً في الآخرة هو خير مما يعيشه قدَّم دمه واستشهد؛ لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
    وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة.
    لابد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها؛ ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل طل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يُرَبِّيَ من يحملون الدعوة. فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية.
    وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابيًا يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد هرب. وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادّخر خالدًا وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد. وكذلك عمرو بن العاص قد ادَّخره الله إلى نصرٍ آخر للإسلام.
    إذن فالجهاد في سبيل الله ضمانٌ للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصولًا إلى أن تقوم الساعة، وذلك لا يتأَتّى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله. والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني. وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتُحب أن توصّله إلى غيرها، ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمنًا، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخيارًا استفاد الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشرارًا يناله من شرِّهم شيء.
    إذن فمن مصلحة الخيِّر أن يشيع خيره في الناس؛ لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره؛ لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر.
    لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان؛ لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم. أما إن بقي الناس على شرِّهم وبقي الإنسان الطيب على خيره، فسيظل خير الطيب مبذولًا لهم ويظل شرُّهم مبذولًا للطيب.
    إذن من حكمة الإيمان أن «يعدّي» الإنسان الخير للغير. وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لابد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك؛ فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لابد من حُسْنِ الإعداد. وعندما يعدّ المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه؛ لأن الدعوة إلى الله تقتضي سُلوكًا طيبًا، والسُلوك الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوى معسكر الإيمان، فيرتقي سلوكًا وعملًا، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري. والحق يقول:
    {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ** [الحديد: 25].

    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    اليوم 7/ رمضان / 1435 هـ
    في رحاب آية ..
    (( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ))
    تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

    الله تبارك وتعالى يقول إن الذين جاءهم الكتاب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفونه.. يعرفون ماذا؟ هل يعرفون أمر تحويل القبلة؟ أم يعرفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه ورسالته التي يحاولون أن يشككوا فيها؟ الله سبحانه وتعالى يشرح لنا ذلك في قوله تعالى:
    { وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ **
    [البقرة: 89]


    فكأن اليهود والنصارى يعرفون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.. ومكتوب في التوراة والإنجيل أنه الحق ومطلوب منهم أن يؤمنوا به.. إن كعب الأحبار كان جالسا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان موجودا فسأله عمر أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود.. أعرف كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد.. فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون امرأتي خانتني فيه أما محمد (صلى الله عليه وسلم) فأوصافه مذكورة بالدقة في التوراة بحيث لا نخطئه.

    إذا فأهل الكتاب يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفون زمنه ورسالته.. والذين أسلموا منهم وآمنوا فعلوا ذلك عن اقتناع، أما الذين لم يؤمنوا وكفروا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه.. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: { وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ **.. وساعة تقول كتم الشيء.. فكأن الشيء بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر.. والحق بطبيعته لابد أن يبرز وينتشر ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود.

    إن الذين يحققون في القضايا الدقيقة يحاولون أن يمنعوا القوة أن تكتم الحق.. فيجعلون من يحققون معه لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة.. لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى مجهود، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى كجهود وقوة، وعدم النطق بالحق عملية شاقة.. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: { لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ **.. أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على علم بالحقيقة.. والحق من الله فهل يستطيع هؤلاء كتمانه؟ طبعا لا، لابد أن يظهر.. فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد.. الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك شيئا أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية.

    إن أخطر الأمراض هي التي لا يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج.. والحق دائما غالب على أمره ولذلك لا توجد معركة بين حقين.. أما الباطل فتوجد معركة بين باطل وباطل. وبين حق وباطل. لأنه لا يوجد إلا حق واحد أما الباطل فكثير..

    والمعارك بين الحق والباطل تنتهي بهزيمة الباطل بسرعة.. ولكن الذي يطول هو معركة بين باطلين.. ولذلك فإن معارك العصر الحديث تطول وتتعب الدنيا.. فمعارك الحرب العالمية الثانية مثلا لازالت آثارها ممتدة حتى الآن في الحرب الباردة وغير ذلك من الحروب الصغيرة.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

    " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "


    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


  9. #9

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل

    جزاك الله خيرا
    مجهود طيب يا طيبة
    تقبل الله منكم

    خالص الود







  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الإقامة
    السعودية
    المشاركات
    1,050

    افتراضي رد: في رحاب آية مع الشهر الفضيل


    اليوم 8/ رمضان / 1435 هـ
    في رحاب آية ..
    (( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ))
    تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

    وقوله الحق: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ** ينطبق- أيضا- على أهل الاجتهاد الذين اجتهد كل منهم في الدنيا، واختلفوا، هؤلاء يبعثون يوم القيامة وليس في صدر أحدهم غل ولا حقد. لذلك تجد سيدنا الإِمام عليًّا -كرم الله وجهه- حين يقرأ هذه الآية يقول: " اللهم اجعلني أنا وعثمان وطلحة والزبير من هؤلاء ". لأن هؤلاء هم الذين وقع بينهم الخلاف في مسألة الخلافة، وكل منهم صحابي ومبشر بالجنة، فإن كانت النفوس قد دخلت فيها أغيار، فإياكم أن تظنوا أن هذه الأغيار سوف تصحبكم في دار الجزاء في الآخرة؛ لأن الله يقول: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ **.

    إن الخلاف كان خلافاً اجتهادياً بين المؤمنين وهم قد عملوا الصالحات وكل منهم أراد الحسن من الأعمال، ونشأ عن ذلك في أغيار الدنيا شيء من عمل القلب، فأوضح سبحانه: إياكم أن تفهموا أن ذلك سوف يستمر معهم في الآخرة؛ لأنهم جميعاً حينما اختلفوا كانوا يعيشون باجتهادات الله، وفي الآخرة لا اجتهاد لأحد. ويريد الحق أن يجعل هذا الأمر قضية كونية، ومثال ذلك تجد رجلاً قد تزوج امرأة بمقاييس غير مقاييس الله في الزواج؛ تزوجها لأنها جميلة مثلاً، أو لأن والدها له جاه أو غني، وبعد الزواج لم يعطه والدها الغني شيئاً من ماله فيقول: غشني وزوجني ابنته، أو كانت جميلة، ثم لقى فيها خصال قبيحة كثيرة فكرهها، ونقول لمثل هذا الرجل: مادمت لم تأخذها بمقاييس الله فعليك أن تنال جزاء الاختيار.

    ولكن من تزوج امرأة على دين الله، ووجد منها قبحاً، فلن يصحبه هذا القبح في الآخرة، ولذلك نجد الحق قد جاء بهذه القضية بالذات، ولم يأت بها في الأبناء أو في البنات، بل في الزوج والزوجة لأنهما عماد الأسرة. فبيّن للرجل: إياك أن تتخيل أن المرأة التي أغاظتك أو أتعبتك أو كدرت عليك بخصلة سيئة فيها، إياك أن تظن أن هذه الخصلة السيئة ستصاحبها في الآخرة، ولذلك قال سبحانه:
    { وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ... **
    [آل عمران: 15]


    وأزواج مطهرة من الأشياء التي كنت تغضب منها وستكون مطهرة بتطهير الله لها. { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ... ** [الأعراف: 43]

    ونجد الحق يقول مرة: { تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ** ومرة يقول: { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ ** ، ونجد " مِن " فارقاً بين القولين. إننا نرى من يستقر في قصر ونجد الماء منساباً حوله وتحته يسر العيون، وماء الآخرة هو ماء غير آسن، وليس فيه أكدار الدنيا، وكما أننا نسر بالماء في الدنيا سنسر به أضعاف ذلك في الآخرة. وقد تجري المياه تحت القصر ولكن نبعها من مكان بعيد فيخاف صاحب القصر أن يقطعها آخر عنه، ويطمئن الحق عباده الصالحين: ستجري من تحت جنانكم الأنهار وكل المياه ستكون ذاتيتها من موقع كل مكون أنت فيه ولن يتحكم فيك أحد، ولن يسد أحد عنك منبع المياه وسترى أنهار الآخرة بلا شطآن؛ لأن كل شيء ممسوك لا بالأسباب كما في الدنيا، ولكن بـ " كن " التي هي لله.ولذلك يقول العباد في جنة الآخرة: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ... ** [الأعراف: 43]

    إنهم يقولون الحمد لله لأنه جل وعلا قد جمعهم ودلهم وأرشدهم إلى الثواب والنعيم دون منغصات، والحمد لله هي عبادة يقولها المؤمنون في الآخرة؛ لأنهم أدوا حق الله في تكاليفه في الدنيا ويعطيهم الله فوق ما يتوقعون في الآخرة. ونعيم الآخرة لا قيد عليه، ولن يستطيع بشر مهما ارتقى بالابتكار أن يصل إلى ما في الجنة؛ لأن الشيء يتحقق لك من فور أن يخطر ببالك. { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ **.

    وهذا الحمد لله كان في الدنيا عبادة تكليف، أمّا في الآخرة فهو " عبادة غبطة وسرور وتلذذ. { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ **.

    يقولها المؤمن؛ لأن الله لو لم ينزل منهجاً سماوياً يحدد له حركة حياته استقامة وينذره ويخوفه من المعاصي لما وصل إلى الجنة. والهداية- كما قلنا- هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية، إذن لابد أن تعرف الغاية أولاً ثم تضع الطريق الموصل لها، بحيث لا يكون معوجاً ولا يعترضك فيه ما يطيل عليك المسافة، وقوله الحق: { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ** يمنع أن يضع البشر للبشر قوانين تهديهم إلى الغاية؛ لأن البشر أنفسهم لا يعرفون الغاية؛ لذلك يوضحها لهم خالقهم بمنهجه المنزل على رسوله.

    ومادامت الهداية من الله فسبحانه لن يخاطب كل إنسان مباشرة، لكنه سبحانه ينزل الرسل يتلون علينا آيات الله ويوضحون لنا المنهج؛ لذلك يأتي الحق في الآية نفسها يقوله الحكيم: {...لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ** [الأعراف: 43]

    أنت في الحياة الدنيا حين تجد من يقول لك: إن أردت أن ترتاح فأنا أنصحك أن تمشي إلى المكان الفلاني واذهب إليه عن الطريق الفلاني، وستجدك سعيداً مرتاح البال، ثم صدقته ونفذت ما قال، ووجدت الرجل صادقاً. ألا تشعر بالسعادة؟. وإذا كان الحق قد أرسل الرسل بالبينات والآيات والمنهج الصحيح، وسار عليه المؤمنون ثم وجدوا الجنة والنعيم؛ لذلك كان لابد أن يشكروا الله وأن يقولوا: { قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ** , لأن الرسل لم يكذبوهم بل جاءوا بالخير لهم. { وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ **.

    وكأن الحق يوضح لنا ونحن في دار التكليف أن نستقبل المنهج على هذا الأساس، وعلى كل واحد أن يحدد مكانه من الجنة؛ بقربه من منهج الله أو بعده عنه؛ لأن دخول الجنة هو جزاء العمل طبقاً لمنهج الحق.ووقف العلماء هنا- جزاهم الله خيراً- وقالوا: كيف نوفق بين هذه الآية: { وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ** [لأعراف: 43]

    وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

    " لن يُدخل أحداً عمله الجنة

    قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟

    قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة ".

    وأقول: ليس هناك تناقض بين قول الله سبحانه وتعالى وقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن الله سبحانه، بل بينهما تأييد؛ فالحق ساعة ما شرع أوضح أن من يعمل العمل الصالح سيدخل الجنة، وهذا التشريع لم يجبر أحد الله عليه، بل هو الذي يعطيه لنا فضلا منه؛ فليس لأحد حق على الله؛ لأنه لا يوجد عمل يعود بفائدة على الله، واتباع المنهج إنما يعود على العبد بالمنفعة والخير، فإن دخلت الجنة فهذا أيضاً بالفضل من الله. وينبهنا القرآن إلى الجمع بين هذه الآيات وأنه لا تعارض بين نص حديثي ونص قرآني. يقول:
    { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ **
    [يونس: 58]


    فجزاء كل عمل عائد على الإنسان لأنه يأخذ مكافأته على فعله، فإن كانت المكأفاة أكبر من جزاء الفعل فهي من الفضل؛ لأن الحق هو القائل:
    { ...كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ **
    [الطور: 21]


    وسبحانه أيضاً هو القائل:
    { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ **
    [النجم: 39]


    إن فهمت اللغة وكنت صاحب ملكة ناضجة نقول: هذه " اللام " للملك. وتفيد أنه لاحق لك على الله إلا بسعيك على وفق منهج الله، وأن هذه الآية قد حددت العدل ولم تحدد الفضل.
    { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ... **
    [يونس: 58]


    والمثال على ذلك أننا كمسلمين نصلى على الميت المسلم، وقد أمرنا التشريع بذلك، وأن ندعو الله أن يتجاوز عن سيئاته. فهل تضيف هذه الصلاة إلى الميت شيئا زائداً عن عمله؟ لو لم تكن صلاة تضيف شيئاً لما أمر التشريع بها. فهي صلاة على ميت مسلم، وأسلامه من عمله، ونجد الحق يقول:
    { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ... **
    [الطور: 21]


    أي أن الآباء والأبناء يشتركون معاً في الإيمان وفي العمل، قوله تعالى:
    { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... **
    [الطور: 21]


    هذا الإلحاق يفيد أن منزلة الذرية كانت أقل من منزلة الآباء، لكن الحق يرفع من منزلتهم إكراماً للآباء. وهذا الإلحاق جزاء للذرية، وقد يكون أيضاً جزاء للآباء؛ فيحضر لهم أولادهم معهم مادام الكل قد اشتركوا في الإيمان، وكان الآباء يتحرون الحلال في إطعام الأبناء ولا يربونهم إلا على منهج الله. وقد يرى الأب أبناء جار له يلبسون الملابس الفاخرة ويأكلون الأكل الطيب، ويتحمل الأبناء ويعيشون عيش الكفاف مع هذا الأب الملتزم بالعمل الصالح والأجر الحلال، وينال الأبناء الجنة مع الأب لأنهم تحملوا معه مشاق الالتزام بالحلال.وهكذا نجد كل إنسان مؤمن قد أخذ نتيجة عمله وزيادة. {...وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ** [لأعراف: 43]

    و { أُورِثْتُمُوهَا ** من " الإرث " وتدل على أن هناك شيئاً آل إلى الغير. ونعلم أن الله، علم أزلا كيف سيسلك كل مخلوق وما سيفعله من كفر وإيمان وطاعة ومعصية، وعلى رغم ذلك أعد سبحانه لكل واحد من خلقه مكانه في الجنة على أنه مؤمن، وأعد لكل واحد من خلقه مكاناً في النار على أساس أنه سيكفر.

    إذن فقد أعدَّ سبحانه جناناً بعدد خلقه، وأعدَّ أماكن في الجحيم بعددهم، فليست هناك أزمة أماكن عند إله قادر مقتدر. فإن آمنا كلنا فلن يضيق بنا واسع الجنة، و- والعياذ بالله - إن كفر الخلق جميعاً فلن تضيق بهم النار. فإذا كانوا جماعة من خلق سيدخلون الجنة بالعمل، فأين تذهب أماكن أهل النار؟ إن الحق بفضل منه يمنحها المؤمنين.

    إذن فقد ورثوا الذين لم يستحقوا الجنة بسبب الكفر.

    وبعد الكلام في الجنة والجزاء وفي حمد التلذذ والسرور والغبطة وفي عهد الجنة، بعد ذلك كان من المناسب أن يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن موقف أهل الجنة من أهل النار؛ فيقول سبحانه: { وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ... **

    بين الجوانح في الأعماق سكناهُ ** فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ
    وكيف أنس حبيباً كنتُ من صغرى ** أسيـر حسنٌ له جـلت مزايـاهُ
    هذا الحبيبُ هو القرآن ُ عشتُ لـه ** منـذ ُ الصبا وأنا ولـهان أهـواه
    ولم أزل أرتجي حسن الختام بـه ** عــساه يشفع لي في يومٍ ألـقاهُ
    مــــدونتي


+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. موضوع رمضاني بسيط للااستغلاال الشهر الفضيل(اعجبني فأحضرته لكم)
    بواسطة بنت الإسلام في المنتدى الخيمة الرمضانية
    الردود: 4
    آخر مشاركة: 08-15-2011, 10:42 PM
  2. في رحاب شهر رمضان مع أ.د. محمود فجال حفظه الله .
    بواسطة طالبة المعرفة في المنتدى الخيمة الرمضانية
    الردود: 1
    آخر مشاركة: 08-06-2011, 02:38 PM
  3. مبارك عليكم الشهر الفضيل,,كل عام أنتم بخير
    بواسطة غنية عمر في المنتدى الخيمة الرمضانية
    الردود: 5
    آخر مشاركة: 07-31-2011, 11:17 AM
  4. اعلان محاضرة بعنوان في رحاب القران
    بواسطة أمل في المنتدى الكتب العامة
    الردود: 2
    آخر مشاركة: 03-24-2011, 07:05 AM
  5. الأربع الزهر
    بواسطة اكليل الشموخ في المنتدى منتدى القراءات
    الردود: 1
    آخر مشاركة: 05-09-2010, 03:11 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك