ألف الفصل بين المشارقة والمغاربة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كثيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليكم رَقِيباً
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما.
ثم أما بعد :
إن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدى هدى محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ .
وبعد :
فأقول :
أدخل قالون وأبو عمرو وهشام وأبو جعفر ألفا بين الهمزتين (ءاءنذرتهم )على خلاف بينهم .
ووقع الخلاف بين المشارقة والمغاربة في حكم ألف الفصل من حيث مقدار مدّها ، فذهب المشارقة إلى تقديرها بالألف فيمدّ عندهم بمقدار حركتين ، والمغاربة بينهم نزاع منهم من عدّ الألف من قبيل المد المتصل لوقوع الهمزة بعده ، ومنهم اعتبرها مثل المشارقة .

قال الصفاقسي في غيث النفع :
تنبيه:
ذهب جماعة من القراء كأبي عبد الله بن شريح الإشبيلي، وأبي عبد الله عبد الواحد بن أبي السداد المالقي صاحب الدر النثير، وشارح التيسير إلى من له الإدخال بين الهمزتين كقالون له المد بينهما من قبيل المتصل كخائفين، وحجتهم اجتماع شرط المد وهو الألف وسببه وهو الهمز بكلمة والألف وإن كانت عارضه فقد اعتد بها من أبدل ومد لسببية السكون فعلى هذا من له التحقيق كأحد وجهي هشام فله المد فقط، ومن له التسهيل فله المد والقصر عملا بعموم قوله:
وإن حرف مدّ قبل همز مغير ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا )ا.هـ

وأجاب ابن الجزري على ما سبق من القول :" وذهب الجمهور إلى عدم الاعتداد بهذه الألف لعروضها ولضعف سببية الهمز عند السكون ، وهو مذهب العراقيين كافة وجمهور المصريين والشاميين والمغاربة وعامة أهل الأداء وحكى بعضهم الإجماع عن ذلك ، قال الأستاذ أبو بكر بن مهران فيما حكاه عنه أبو الفخر حامد بن حسنويه الجاجاني في كتابه حلية القراء عند ذكره أقسام المد :" أما مد الحجز ففي مثل قوله (أآنذرتهم ، وأؤنبئكم ، وأإذا) وأشباه ذلك قال : وإنما سمي مد الحجز ؛ لأنه أدخل بين الهمزتين حاجزاً وذلك أن العرب تستثقل الجمع بين الهمزتين فتدخل بينهما مدة تكون حاجزة بينهما لإحداهما عن الأخرى قال ومقداره ألف تامة بالإجماع لأن الحجز يحصل بهذا القدر ولا حاجة إلى الزيادة انتهى وهو الذي يظهر من جهة النظر لأن المد إنما جيء به زيادة على حرف المد الثابت بياناً له وخوفاً من سقوطه لخفائه واستعانة على النطق بالهمز بعده لصعوبته وإنما جيء بهذه الألف زائدة بين الهمزتين فصلاً بينهما واستعانة على الإتيان بالثانية فزيادتها هنا كزيادة المد في حرف المد ثم فلا يحتاج إلى زيادة أخرى وهذا هو الأولى بالقياس والأداء والله تعالى أعلم.)ا.هـ

ويقول الصفاقسي مبيّنا نسبة القول بالمدّ لابن غازي :".. وبعدم المد قرأت على جميع شيوخي، وهو الذي يقتضيه القياس والنظر، ولا أظن أحدا يقرأ الآن بالمد إلا المقلدين لابن غازي وغيره والله أعلم.)ا.هـ

فإذا كان هناك خلاف يجدر بنا الرجوع لكلام الداني نفسه وننظر فيه حتى يتبيّن الحقيقة من خلال كلامه ، يقول الداني : (فقرأ ابن كثير بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الهمزة الثانية فيكون بين الهمزة والألف من غير فاصل بينهما في جميع القرآن فيمد بعد المحققة مدّة في تقدير ألف وهي في الحقيقة همزة ملينة ، وقرأ أبو عمرو بتحقيق الأولى وتليين الثانية ، وإدخال ألف ساكنة بينهما فيمدّ بعد المحققة مدّة في تقدير ألفين )

من النص السابق يتضح أن الداني يعبّر عن الهمزة المسهلة بــ : مدّة في تقدير ألف ، فإذا أضاف للمسهلة ألف الإدخال صار التقدير بمقدار ألفين كما قال :" وإدخال ألف ساكنة بينهما فيمدّ بعد المحققة مدّة في تقدير ألفين" ، ويؤكد هذا القول عند كلامه عن ( ءأامنتم ) لقنبل حيث يقول :" الداني جامع البيان 208 :" قال أبو عمرو: وكذلك لنا ذلك في رواية قنبل من طريق ابن مجاهد وابن الصباح بواو مفتوحة بدلا من همزة الاستفهام لانضمام ما قبلها، وبعدها همزة مسهّلة بين بين ، وبعدها ألف ساكنة، فيحصل في اللفظ بعد فتحة الواو مدّة في تقدير ألفين)
فالهمزة المسهلة ـ وهي الثانية (ءءا) ـ وبعدها ألف ، قدّرها بــ(ألفين ) ومعلوم أن الألف التي قبل الميم في (ءءامنتم) لا تمدّ كمدّ المتصل بإجماع فيدل قوله بـ(ألفين) على ما تقدم.
وقال الداني أيضا: (...كذلك قرأت أيضا في روايته من الطريقين المذكورين وإليه النشور ءأمنتم [الملك: 15 - 16] بإبدال همزة الاستفهام واوا مفتوحة لانضمام الراء قبلها، وبعدها همزة مسهّلة بين بين، فيحصل في اللفظ بعد فتحة الواو مدّة في تقدير ألف واحدة لا غير؛ لأن همزة الاستفهام دخلت على فعل ثلاثي، ودخلت هاهنا على فعل رباعي، فلذلك تفاضل المدّ بعد فتحة الواو المبدلة في الموضعين.)

وهنا في سورة الملك عبّر بألف واحدة لعدم وجود ألف بعد الهمزة المسهلة الثانية ، وكذا ما عبّر به عن هشام : (واختلف عن هشام ...قرأت أنه حقق الهمزتين معا وفصل بينهما بألف مطولة ) ، فإذا كان الألف لا يمدّ عند المسهلة كذا الحال هنا فليس هذا التعبير يصدق على المدّ الطويل ، ويقول الداني :" (وروى سائر الرّواة عنه هاهنا بالاستفهام بهمزة بعدها مدّة مطوّلة في تقدير ألفين...) ، فعبّر أيضا عن المدة المطولة بمقدار ألفين كما هو الحال بعد المسهلة .

ومما تقدم بأن ألف الفصل لا يمدّ إلا بمقدار المد الطبيعي دون زيادة ما قاله أبو شامة في شرحه عند قول الشاطبي "وَالإِبْدَالُ مَحْضٌ وَالْمُسَهَّلُ بَيْنَ مَا هُوَ الْهَمْزُ وَالحَرْفُ الَّذِي مِنهُ أُشْكِلاَ" :... ويقع في كثير من عبارات المصنفين غير ذلك فيرى بعضهم يقول قرأ ورش وابن كثير بهمزة وبعدها مدة في تقدير ألف وقرأ قالون وأبو عمرو وهشام بهمزة وبعدها مدة مطولة في تقدير ألفين فحملت هذه العبارة كثيرا من الناس على أن مدّوا بعد الهمزة ... والله أعلم)ا.هـ

وكلامه الأخير (بهمزة وبعدها مدة مطولة في تقدير ألفين فحملت هذه العبارة كثيرا من الناس على أن مدّوا بعد الهمزة) يدلّك على صحة ما قاله ابن الجزري :" ومقداره ألف تامّة بالإجماع" ، وأبو شامة وكأنه يعاتب القراء الذين فعلوا هذه المدّة الزائدة .ويوضح أبو شامة كلامه قائلا : ( وذكر بعض من شرح أن إدخال الألف بين الهمزتين يقتضي أن الأمر يصير من قبيل المتصل كأن الألف من نفس الكلمة فعلى هذا القول أيضا يستوون في المد ولا يجئ القصر إلا على قولنا إن حرف المد الذي قبل الهمز المغير لا يمد إلا أن هذا القول عندي غلط فإن من يقول بمد الألف بعد إدخالها بين الهمزتين يكون بقدر ألفين وأكثر والمنقول أنهم يدخلون بينهما ألفا للفصل فلا حاجة إلى زيادة المد بل يقتصر على مقدار النطق بألف على حدها في نحو قال وباع وذكر الشيخ في شرحه أن قوله وذو البدل يعني ورشا)
قال الداني وهو يتحدث عن التسهيل والإدخال :"
...وأبو نشيط عن قالون انه يستفهم في الباب كله بهمزة مطولة ،وكذا روى الحسن الرازي ..، وروى أبو عون الواسطي عن الحلواني عن قالون في الباب كله أنه يمد ولا يشبع والذي قاله في الضربين حسن .وقد بينا صحة ذلك في كتابنا المصنف في الهمزتين على ان المد والاشباع مع الفصل بالألف في الضربين جمبعا متمكن جائز لما بيناه هنالك"
فهل الإشباع يقصد به المد الطويل ؟ أو انه يقصد بالمد التسهيل وبالاشباع ادخال الألف ؟
ومد قالون بالتوسط في المتصل أما الإشباع فليس مذهبه عند الداني على فرض أنه أراد بالإشباع مد المتصل .

إلا أن الداني فسر مراده من كلمتي (الإشباع ـ التمكين) في كتاب المفردات ص139 :"
فيجعلها بين بين فتصير كأنها مدة في اللفظ فتقع الهمزة المحققة بين همز تين الأولى مشبعة في تقدير حرفين والثانية ممكنة في تقدير حرف واحد لأنها خلف من الهمزة"
فكلمة المشبعة والممكنة بيّن بهما الداني مقصده .
فلا مد عند الداني أصلا. .والقائلين بالمد أخذوا من كلام الداني ..والداني يخالفهم فلا مدّ إذن .والله أعلم

ولقائل أن يقول : إنهم كانوا يستخدمون الألف والألفين والثلاث ألفات، في التعبير عن مقادير المدود فيوافقهم الداني في ذلك ؟

الجواب : الداني لا يستخدم هذا التقدير في باب المد ، فعند حديثه عن المدود قال :" إلا أنهم في زيادة التمكين وتمطيطه وإشباعه على مقدار طبائعهم " وقال أيضا " فلا يزيدون في تمكينه على ما فيه الذي هو صيغته " وقال أيضا :" والتمكين عند أهل الأداء منزلة بين المد والقصر ) وقال أيضا :"وأشبع القراء مدّا وأزيدهم تمكينا في الضربين جميعا من المتصل والمنفصل حمزة )وقال في ذلك أيضا (والمشافهة توضح حقيقة والحكاية تبين كيفيته )في باب المدّ لا يعبّر بالألف والألفين ، فتجده يحيل إلى المشافهة كما سبق .

فترك التمكين عنده هو المد الطبيعي ، والتمكين معناه عنده التوسط ، وزيادة التمكين هو الإشباع .
والخلاصة :
أن كلام الداني واضح في ترك الزيادة في مدّ الفصل .
وما ذكره أبو شامة عن بعض القراء ووهم بعبارة "مدّة مطولة ..فمدّوا" يدل على نفي ما قاله الصفاقسي أنّ المغاربة قلدوا ابن غازي المتوفى ( 896هـ) .والله أعلم

وفي هذا القدر كفاية . هذا ما من الله به علينا وأسأل الله لنا ولسائر المسلمين السلامة من كل إثم وأن يرزقنا جميعا الإخلاص في القول والعمل آمين .